العودة   ::: منتدى السلالة الجينية J2::: > الأقــســـام الــعـــامــة > تاريخ وأنساب العرب

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-24-2020, 06:56 AM   #1
فرناس
باحث
 
تاريخ التسجيل: May 2014
المشاركات: 1,028
افتراضي تكوُّن القبائل العربية و تفرُّقها / من كتاب "معجم ما استعجم" للبكري

تكوُّن القبائل العربية و تفرُّقها في جزيرة العرب
من كتاب "معجم ما استعجم" للبكري



قال ابو عبيد البكري في مقدمة كتابه "معجم ما استعجم" :

(
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدا يقتضي رضاه، وصلى الله على محمد نبيه الذي اصطفاه، واختاره لرسالته واجتباه.
هذا كتاب ذكرت فيه، إن شاء الله، جملة ما ورد في الحديث والأخبار، والتواريخ والاشعار، من المنازل والديار، والقرى والأمصار، والجبال والآثار، والمياه والآبار، والدارات والحوار، منسوبه محددة، ومبوبه على حروف المعجم مقيدة.
فأنى لما رأيت ذلك قد أستعجم على الناس، أردت أن أفصح عنه، بان أذكر كل موضع مبين البناء، معجم الحروف، حتى لا يدرك فيه لبس ولا تحريف.
وقد قال أبو مالك الحضرمي: رب علم لم تعجم فصوله، فاستعجم محصوله. فان صحة هذا لا تدرك بالفطنة والذكاء، كما يلحق المشتق سائر الأسماء. وما اكثر المؤتلف والمختلف في أسماء هذه المواضع، مثل ناعجة وباعجة، ونبتل وثيتل، ونخلة ونحلة، وساية وشابة، والنقرة والنقرة، وجند وجند، وجسان وحسان، وجبجب وحبحب، وسنام وشبام، وسلع وسلع، والحوب، والحوءب، وقرن وقرن، وجفاف وخفاف، وحت وخت، وتريم وتريم، وتهامه ونهامة، وخزاز وجرار وحراز، و كذلك ما أشبه حروفه، نحو سمن " بالنون " وسمي " بالياء " ، وشمام " بالميم " وسقام " بالقاف " ، وشابة " بالباء " وشامة " بالميم " ، ونملى " بالنون " ، وقملى " بالقاف " ، وخملى " بالخاء " ، وجرزان " بالزاي " وجرذان " بالذال " ، والاهة " واهالة " بتقديم الهاء على اللام " ، والقاعة والقاحة.
وقديما صحف الناس في مثل هذا.
قال ابن قتيبة: قريء يوما على الأصمعي في شعر أبي ذؤيب:
بأَسْفَلِ ذاتِ الدَّيْرِ أُفْرِدَ جَحْشُهَا ... فَقَدْ وَلِهَتْ يَوْمَيْن فهْي خَلُوجُ.
فقال أعرابي حضر المجلس للقاري: ضل ضلالك! إنما هي ذات الدبر، بالباء المعجمة بواحدة، وهي ثنية عندنا. فأخذ الأصمعي بذلك فيما بعد. وقال أبو حاتم: قرأت على الأصمعي في شعر الراعي:
وافْرَعْنَ في وادي الأَمَيِّرِ بَعْدَ ما ... كَسَا البِيدَ سافي القَيْظة المتناصر
فقال الأعرابي: لا اعرف وادي الأمير. قال: فقلت: إنها في كتاب أبي عبيدة: " في وادي دلاميد " ، فقال: ولا أعرف هذا. ولعلها جلاميد، ففصلت الجيم من اللام. قال أبو حاتم: وفي رواية ابن جبلة: وادي الاميل باللام. وكلها غير معروفة.
فهؤلاء عدة من العلماء قد اختلفوا في أسم موضع، ولم يدروا وجه الصواب فيه، وسأبين ذلك في موضعه إنشاء الله تعالى.
وهذا يزيد بن هارون، على إمامته في الحديث، وتقدمه في العلم، كان يصحف " جمدان " ، وهو جبل في الحجاز بين قديد وعفان، من منازل بني أسلم، فيقول: " جندان " بالنون. وذلك في الحديث الذي يرويه العلاء عن أبي هريرة: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له جمدان، فقال: سيروا، هذا جمدان، سبق المفردون " قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون كثيرا والذاكرات " وجماعة المحدثين يقولون: " الحَزوّرة " بفتح الزاي وتشديد الواو، لموضع يلي البيت الحرام، وبه كانت سوق مكة، وقد دخل اليوم في المسجد، ويروون: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بالحَزوّرة، وقال: " والله إنك لخير أرض الله ن واحب أرض الله إلي، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت " رواه الزهري عن أبي سلمه، عن عبد الله بن عدى، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وإنما هي " الحزْوَرة " بالتخفيف، لا يجوز غيرة، قال الغنوي:
يَوْمَ ابنُ جُدْعانَ بجنْب الحَزْوَرَهْ ... كأنّه قَيْصَرُ أو ذو الدّسكَرَهْ
وترتيب حروف هذا الكتاب ترتيب حروف أ، ب، ت، ث ز فأبدأ بالهمزة والالف، نحو آرة، ثم بالهمزة والباء، نحو أبلى وبان، ثم بالهمزة والتاء، نحو الأتم، ثم بالهمزة والثاء، نحو الأثيل والاثاية، هكذا إلى انقضاء الحروف الثمانية والعشرين.
فجميع أبواب هذا الكتاب سبع مئة وأربعة وثمانون بابا، وهو ما يجتمع من ضرب ثمانية وعشرين في مثلها، فالحرفان من كل أسم مقيدان بالتبويب، وأذكر باقي حروف الاسم، وأبين المشكل، بالمعجم والمهمل، وأذكر بناءة وضبطه، واشتقاقا إن عرف فيه، وأنسب كل قول إلى قائلة، من اللغويين والإخباريين المشهورين.

(1/1)

وجميع ما أوردة في هذا الكتاب عن السكوني، فهو من كتاب أبي عبيد الله عمرو بن بشر السكوني، في جبال تهامة ومحالها، يحمل جميع ذلك عن الابي الأشعث، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك الكندي، عن عرام بن الاصبغ السلمي الأعرابي.
؟؟؟؟
" ذكر جزيرة العرب "
وأنا ابتدأ الآن بذكر جزيرة العرب، والأخبار عن نزولهم فيها وفي غيرها، من محالهم، ومنازلهم، واقتطاعهم لها، ومحل كل قبيل منها، وذكر ما أشترك في نزوله قبيلان فأزيد، وذكر من غلب جيرانه منهم فانفردت.
قال أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبية، عن معاوية بن عميرة بن مخوس الكندي، إنه سمع عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ن ورواه أبو زيد عمر بن شبه، قال: حدثني غياث بن إبراهيم، عن يونس بن يزيد الايلي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن العباس، وسأله رجل عن ولد نزار بن معد، فقال: هم أربعه: مضر، وربيعه، وأياد، وانمار. وكان يكنى بابنه ربيعه، ومنازلهم مكة وأرض العرب يومئذ خاوية، ليس بنجدها وتهامتها وحجازها وعروضها كبير أحد، لاخراب بختنصر إياها، وإجلاء أهلها، إلا من أعتصم برءوس الجبال ن ولاذ بالمواضع الممتنعة، متنكبا بالمسالك جنوده، ومستن خيوله، وبلاد العرب يومئذ على خمسة أقسام، على ما يأتي ذكره.
وذكر أبن وهب، عن مالك، قال: أرض العرب مكة، والمدينة، واليمن. وقال أحمد بن المعذل: حدثني يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري ن قال: قال مالك بن أنس: جزيرة العرب المدينة، ومكة، واليمامة، واليمن.
وقال المغيرة بن عبد الرحمن: جزيرة العرب مكة، والمدينة، واليمن وقرياتها.
وقال الأصمعي، جزيرة العرب ما لم يبلغه ملك فارس، من أقصى عدن أبين إلى اطرار الشام، هذا هو الطول، والعرض من جدة إلى ريف العراق. وقال أبو عبيد عن الأصمعي خلاف هذا، فذكر ان طولها من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وان عرضها من جدة وما والاها من ساحل البحر، إلى أطرار الشام. وقال الشعبي: جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى، بطوارة من أرض العراق، إلى أقصى اليمن في الطول ن واما في العرض فما بين رمل يبرين، إلى منقطع السماوه. قال: وحد العراق ما دون البحرين إلى الرمل الحر. وقال غيرة: حد سواد العراق، الذي وقعت علية المساحة، من لدن تخوم الموصل مع الماء، إلى ساحل البحر ببلاد عبادان، من شرقي دجلة، هذا طوله. وأما عرضة فحدة من ارض حلوان، إلى منتهى طرفه القادسية، المتصل بالعذيب. وطوله مئة وعشرون فرسخا، وعرضة ثمانون فرسخا. وقال ابن الكلبي في تحديد العراق: هو ما بين الحيرة، والانبار، وبقة، وهيت، وعين التمر، وأطراف البر، إلى الغمير، والقطقطانة، وخفية.
قال الخيل: سميت جزيرة العرب جزيرة، لان بحر فارس وبحر الحيش والفرات ودجلة أحاطت بها ن وهي أرض العرب ومعدنها. وقال أبو إسحاق الحربي: أخبرني عبد الله بن شبيب، عن الزبير، قال: حدثني محمد بن فضالة: إنما سميت جزيرة لإحاطة البحر بها والأنهار من أقطارها وأطرارها. وذلك أن الفرات اقبل من بلاد الروم فظهر بناحية قنسرين، ثم انحط عن الجزيرة، وهي ما بين الفرات ودجلة، وعن سواد العراق، حتى دفع في، البحر من ناحية البصرة والابلة، وامتد إلى عبادان، وأخذ البحر من ذلك الموضع مغربا، مطيفا ببلاد العرب، منعطفا عليها، فأتى منها على سفوان وكاظمة، ونفذ إلى القطيف وهجر وأسياف عمان والشحر، وسال منه عنق إلى حضرموت، وناحية أبين وعدن ودهلك، واستطال ذلك العنق، فطعن في تهائم اليمن، بلاد حكم والاشعيين وعك، ومضى إلى جدة ساحل مكة، وإلى الجار ساحل المدينة، وإلى ساحل تيماء وأيلة، حتى بلغ إلى قلزم مصر، وخالط بلادها، واقبل النيل في غربي هذا العنق من أعلى بلاد السودان، مستطيلا معارضا للبحر، حتى دفع في بحر مصر والشام، ثم اقبل ذلك البحر من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين، ومر بعسقلان وسواحلها، وأتى على صور ساحل الأردن، وعلى بيروت وذواتها من سواحل دمشق ن ثم نفذ إلى سواحل قنسرين والحزيرة، إلى سواد العراق. فصارت بلاد العرب من هذه الجزيرة التي نزلوها على خمسة أقسام: تهامة والحجاز، ونجد والعروض، واليمن. ومعنى تهامة والغور واحد، ومعنى حجاز وجلس واحد، هكذا ذكر الزبير ابن بكار عن عمه. وقال غيرة: معنى حجاز وجلس ونجد واحد.

(1/2)

وجبل السراة هو الحد بين تهامة ونجد. وذلك أنه اقبل من قعره اليمن، وهو أعظم جبال العرب، حتى بلغ أطراف بوادي الشام، فسمته العرب حجازا، وقطعته الأودية، حتى انتهى إلى ناحية نخلة، فمنه خيطى ويسوم، وهما جبلان بنخلة، ثم طلعت الجبال منه، فكان منه الأبيض جبل العرج، وقدس وآرة، والأشعر والأجرد، وهما جبلان لجهينة.
وهي كلها مذكورة في مواضعها.
وقال ابن شبة: " خيص " مكان " خيطي " . قال: ولم يعرف " خيطى " وقال بعض المكيين: هو " خيش " ، وانشد لابن أبي ربيعة:
تركوا " خَيْشاً " على أيمانهم ... ويَسُوماً عن يَساَر المُنْجِدِ.
قلت صوابه " خيص " بالصاد لا بالشين. نقلت من خط ابن سعدان، وهو أصل أبي علي في شعر ابن أبي ربيعة:
ذَكّرَتْني الديارُ شَوقاَ قديماَ ... بْينَ خَيْصٍ وبين أَعْلى يَسُوماَ
وروى ابن الكلبي، قال: حدثني أبو مسكين، محمد بن جعفر بن الوليد بن زياد، مولى أبي هريرة، عن ابية، عن سعيد بن المسيب، انه قال: " لما خلق الله عز وجل الأرض مادت بأهلها، فضربها بهذا الجبل، يعني السراة، فاطمأنت " .
وطول السراة ما بين ذات عرق إلى حد نجران اليمن، وبيت المقدس في غربي طولها، وعرضها ما بين البحر إلى الشرف. فصار ما خلف هذا الجبل في غربيه إلى أسياف البحر، من بلاد الأشعريين وعك وكنانة، إلى ذات عرق والجخفة وما والاها وصاقبها وغار من أرضها: الغور غور تهامة، وتهامة تجمع ذلك كله، وغور الشام لا يدخل في ذلك. وصار ما دون ذلك في شرقية من الصحارى إلى أطراف العراق والسماوة وما يليها: نجدا، ونجد تجمع ذلك كله. واعراض نجد هي بيشة، وترج، وتبالة، والمراوغة، ورنيه. وصار الجبل نفسه " وهو " سراته، وهو الحجاز وما احتجز به في شرقية من الجبال، وانحاز إلى ناحية فيد، والجبلين إلى المدينة، ومن بلاد مذجح تثليث وما دونها إلى ناحية فيد، فذلك كله حجاز. وصارت بلاد اليمامة والبحرين وما والاهما: العروض، وفيها نجد وغور، لقربها من البحر، وانخفاض مواضع منها، ومسايل اودية فيها، والعروض يجمع ذلك كله. وصار ما خلف تثليث وما قاربها إلى صنعاء، وما والاها من البلاد إلى حضرموت والشحر وعمان وما بينها: اليمن، وفيها التهائم والنجود واليمن يجمع ذلك كله.
وذات عرق فصل ما بين تهامة ونجد والحجاز. وقيل لاهل ذات عرق: أمتهمون انتم أم منجدون؟ قالوا: لا متهمون ولا منجدون. وقال شاعر:
ونحن بسَهْبِ مُشْرِفٍ غير مُنْجِدٍ ... ولا مُتْهِمٍ فالعَيْنُ بالدمع تَذْرِفُ.
وقال آخر:
كأنَّ المطايا لم تُنَخْ بتهامَةٍ ... إذا صَعَّدَتْ عن ذات عِرْق صُدُورُها.
وقال ابن الكلبي: الحجاز: ما حجز فيما بين اليمامة والعروض، وفيما بين اليمن ونجد، فصارت نجد ما بين الحجاز إلى الشام، إلى العذيب. والطائف من نجد، والمدينة من نجد، وأرض العالية والبحرين إلى عمان من العروض، وتهامة: ما ساير البحر، منها مكة والعبر والطور والجزيرة. فالعبر: ما أخذ على الفرات إلى برية العرب. والطور: ما بين دجلة وساتيدما.
وزعم عرام بن الأصمع أن حد الحجاز من معدن النقرة إلى المدينة. فنصفها حجازي ونصفها تهامي. وقال في موضع آخر: الجلس ما بين الجحفة إلى جبلي طئ. والمدينة جليسة، واعمال المدينة فدك، وخيبر، ووادي القرى، والمروة، والجار، والفرع. ولهذه المواضع أعمال عريضة واسعة، الا الجار، فانه ساحل ز وروى عمر بن شبه عن رجاله، عن محمد بن عبد الملك الأسدي، قال: الحجاز اثنتا عشرة دارا: المدينة، وخيبر، وفدك، وذو المروة، ودار بلى، ودار أشجع، ودار مزينة، ودار جهينة، ودار بعض بني بكر بن معاوية، ودار بعض هوزان وجل سليم وجل هلال.
وحد الحجاز الأول: بطن نخل وأعلى رمة وظهر حرة ليلى. والثاني مما يلي الشام: شغب وبدا. والثالث مما يلي تهامة: بدر والسقيا ورهاط وعكاظ. والرابع مما يلي ساية وودان، ثم ينعرج إلى الحد الأول: بطن نخل وأعلى رمة. ومكة من تهامة، والمدينة من الحجاز.

(1/3)

وقال محمد بن سهل عن هشام أبيه: حدود الحجاز: ما بين جبلي طيء إلى طريق العراق، لمن يريد مكة، إلى سعف تهامة، ثم مستطيلا إلى اليمن. قال: والجلس: ما بين الجحفة إلى جبلي طيء. والمدينة جليسة. ويشهد لك ان المدينة جليسة قول مروان بن الحكم للفرزدق، وتقدم إليه إلا يهجو أحدا، ومروان يومئذ وإلى المدينة لمعاوية:
قُلْ لِلْفَرَزْدَقِ والسفاهةُ كاسمها ... إن كنتَ تاَرِك ما أَمَرْتُك فاجْلِسِ
يقال: جلس إذا أتى الجلس، أي أئت المدينة لأن تركت الهجو.
وقال الحسن: انما سمي الحجاز حجازا، لأنه حجز على الأنهار والاشجار، وهو الجنان يوم القيامة.
وقال غيره: سمي حجازا لأنه أحتجز بالجبال، يقال: احتجزت المرأة إذا شدت الثياب على وسطها، وأبرزت عجزيها، وهي الحجزة.
وقال الزبير بن بكار: سألت سليمان بن عياش السعدي: لم سمي الحجاز حجازا؟ فقال: لأنه حجز بين تهامة ونجد. قلت: فما حد الحجاز؟ قال: الحجاز ما بين بئر أبي بكر بن عبد الله بالشقرة، وبين اثاية العرج. فما وراء الاثاية من تهامة.
ونقل ابن دريد قال: انما سمي حجازا لأنه حجز بين نجد والسراه. وقال الخليل: سمي حجازا لأنه الأفضل بين الغور وبين الشام، وبين تهامه ونجد. فجرش من جزيرة العرب، ونجران من جزيرة العرب، واخرج عمر بن الخطاب اليهود من والنصارى من جزيرة العرب، إلا أنه لم يخرجهم من نجران ولا اليمامة والبحرين فسميت العروض.
قال الحربي: ولذلك ضعف قول الخليل وقول محمد بن فضالة. وحد الشام: ما وراء تبوك. وتبوك من الحجاز، وكذلك فلسطين، ومن المدينة إلى طريق الكوفة إلى الرمة حجاز. وما وراء ذلك نجد، إلى أن تشارف أرض العراق ومن طريق البصرة إلى بطن نخل حجاز، وما وراء ذلك نجد. إلى أن تشارف البصرة. ومن المدينة إلى طريق مكة، إلى أن تبلغ الاثاية مهبط العرج: حجاز. وما وراء ذلك فهو تهامة، إلى مكة، إلى جدة، إلى ثور وبلاد عك وإلى الجند، وإلى عدن أ بين، هذا غور كله من ارض تهامة. وما بين المدينة إلى طريق صنعاء إذا سلك على معدن بني سليم: حجاز، إلى الجرد، إلى نجران إلى صنعاء. ومن المدينة إلى بطن نخل إلى شباك أبي علية: إلى الربذة، وما إلى الشرف، إلى أضاخ وضرية واليمامة: نجد.
وروى الشيباني عن أبيه قال: أخبرني أبو البيداء. قال: وقف عبد الملك بن مروان جارية للشعراء، فقال: أيكم يجيز هذا البيت وهذه الجارية له؟ ثم أنشد:
بَكى كلُّ ذي شَوْقٍ يَمَانٍ وشاقه ... شآمٍ فأَنى يَلْتَقي الشَّجِيان؟
فجثا جرير على ركبتيه، ثم قال: هلمي الي يا جارية، ثم قال:
يَغُورُ الذي بالشأم أو يُنْجِدُ الذي ... بغَوْرِ تِهاماتٍ فيَلْتَقيانِ.
فأخذها.
وقال المخبل السعدي:
فإنْ تُمْنَعْ سُهُولُ الأرض مِنِّي ... فإني سالكٌ سُبُلَ العَرُوضِ.
وأرض جهينة والقبلية كلها حجاز.
وأما تهامة، فانك إذا هبطت من الأثاية إلى الفرع وغيقة، إلى طريق مكة، إلى أن تدخل مكة: تهامة، إلى ما وراء ذلك من بلاد عك، كلها تهامة، والمجازة وعليب وقنوني ويزن، كلها تهامة، وأنت إذا انحدرت في ثنايا ذات عرق متهم إلى أن تبلغ البحر، وكذلك إذا تصوبت في ثنايا العرج إلى أقصى بلاد بني فزازة أنت متهم، فإن تجاوزت بلاد بني فزازة إلى أرض كلب، فانت بالجناب. وبلاد بني أسد: الجلس، والقنان، وأبان الأبيض، وأبان الأسود، إلى الرمة. والحميان: حمى ضرية، وحمى الربذة، والدو، والصمان، والدهناء، في شق بني تميم. والحزن معظمة لبني يربوع. وكان يقال: من تصيف الشرف، وتربع الحزن، وتشتى الصمان، فقد أصاب المرعى.
وأما نجد، فما بين جرش إلى سواد الكوفة، وآخر حدوده مما يلي المغرب الحجازان: حجاز الأسود وحجاز المدينة، والحجاز الأسود سراة شنوءة. ومن قبل المشرق بحر فارس، ما بين عمان إلى بطيحة البصرة، ومن قبل يمين القبلة الشامي: الحزن حزن الكوفة، ومن العذيب إلى الثعلبية إلى قلة بني يربوع بن مالك، عن يسار طريق المصعد إلى مكة، ومن يسار القبلة اليمنى ما بين عمل اليمن إلى بطيحة البصرة. ونجد كلها من عمل اليمامة.

(1/4)

وقال عمارة بن عقيل: ما سال من الحرة: حرة بن سليم وحرة ليلى، فهو الغور، وما سال من ذات عرق مقبلا فهو نجد، وحذاء نجد أسافل الحجاز، وهي وجرة والغمرة. وما سال من ذات عرق موليا إلى المغرب فهو الحجاز.
قال عمارة: وسمعت الباهلي يقول: كل ما وراء الخندق خندق كسرى، الذي خندقة على سواد العراق: هو نجد، إلى أن تميل إلى الحرة، فإذا ملت إلى الحرة فانت في الحجاز حتى تغور، والغور: كل ما انحدر سيله مغربا، فبذلك سمي بالغور، وكل ما أسهل مشرقا فهو نجد، وتهامة ما بين ذات عرق إلى مرحلتين من وراء مكة، وما وراء ذلك من مهب الجنوب فهو السراة إلى تخوم السراة.
يقول أبو عبيد المؤلف: نقلت جميع كلام عمارة من كتاب أبي علي، على أصلة المنتسخ من كتاب أبي سعيد.
ويقول يعقوب عن الأصمعي قال: ما أرتفع من بطن الرمة فهو نجد، إلى ثنايا ذات عرق. وما أحتزمت به الحرار حرة شوران " وحرة ليلى، وحرة واقم، وحرة النار " وعامة " منازل " بني سليم إلى المدينة، فما احتاز ذلك الشق حجاز كله، وما بين ذات عرق إلى البحر غور وتهامة. وطرف تهامة من قبل الحجاز: مدارج العرج، واولها من قبل نجد: مدراج ذات عرق. والجناب ما بين غطفان وكلب. وما دون الرمل إلى الريف من العراق، يقال له العراق. وقرى عربية: كل قرية في أرض العرب، نحو خيبر، وفداك، والسوارقية، وما أشبه ذلك والشرف: كبد نجد، وكانت منازل الملوك من بني آكل المرار، وفيها اليوم حمى ضرية، وضرية أسم بئر، قال الشاعر:
فأَسقاني ضَرِيَّةَ خَيْرَ بِئْرٍ ... تَمُجُّ الماءَ و الجُبَّ التُّؤماَ.
وفي الشرف الربذة، وهي الحمى الايمن، والشريف إلى جنبه، يفرق بين الشرف والشريف واد يقال له التسرير، فما كان مشرقا فهو الشريف، وما كان مغربا فهو الشرف. والطود الجبل المشرف على عرفة، ينقاد إلى صنعاء، ويقال له السراة، وأوله سراة ثقيف، وسراة فهم وعدوان، ثم سراة الارد، ثم الحرة آخر ذلك كله، فما أنحدر إلى البحر فهو سهام وسردد وزبيد ورمع، وهي أرض عك، وما كان منه إلى الشرق فهو نجد، والجلس ما وراء بلاد هذيل، وسهام وسردد واديان يصبان في جاري، وهو أدي عظيم قال أبو دهبل الجمحي: هكذا قال، وإنما هو للاحوص، لا شك فيه:
سَقَى اللهُ جَازَانَا ومَنْ حَلَّ وَلْيَهُ ... وكُلَّ مَسيلٍ من سَهَامٍ وسُرْدُدِ.
ويروى سقى الله جازينا.
وحد اليمن مما يلي المشرق: رمل بني سعد، الذي يقال له يبرين، وهو منقاد من اليمامة حتى يشرع في البحر بحضرموت، ومما يلي المغرب: بحر جدة إلى عدن أبين، وحدها الثالث: طلحة الملك إلى شرون: من عمل مكة، وحدها الرابع: الجوف ومأرب، وهما مدينتان.
وقد ذكر العرب هذه الأقسام الخمسة، التي ذكرناها من جزيرة العرب في أشعارهم.
قال أبن براقة الثمالي:
أرْوَى تِهامَةَ ثمَّ أصبَحَ جالساً ... بشَعُوفَ بين الشَّثِّ والطُّبَّاقِ.
وقالت ليلى بنت الحارث الكنانية:
ألا منعت ثمالة ما يلهيها ... فغورا بعد أو جلسا ثمالا
وقال هبيرة بن عمرو بن جرثومة النهدى:
وكندة تهدي لي الوعيد ومذحج ... وشهران من أهل الحجاز وواهب.
وقال طرفه، وهو يومئذ بناحية تبالة وبيشة وما يليها:
ولكن دعا من قيس عيلان عصبة ... يسوقون في أعلى الحجاز البربرا.
وقال لبيد:
مرية حلت بفيد وجاورت ... أهل الحجاز فأين منك مرامها.
وقال المخبل:
فإنْ تُمْنَعْ سُهُولُ الأرض مِنِّي ... فإني سالكٌ سُبُلَ العَرُوضِ
وقال رجل من بني مرة:
أقمنا على عز الحجاز وانتم ... بمنبح البطحاء بين الاجاشب.
وقال جرير:
هوى بتهامة وهوى بنجد ... فبلتني التهائم والنجود.
وقال آخر:
كأن المطايا لم تنح بتهامة ... إذا صعدت عن ذات عرق صدورها.
*** رجعنا إلى حديث الكلبي عن أبي عباس.

(1/5)

قال: فاقتسم ولد معد بن عدنان هذه الأرض على سبعة أقسام: فصار لعمرو بن معد بن عدنان، وهو قضاعة، لمساكنهم ومراعي أنعامهم: جدة، من شاطيء البحر وما إلى منتهى ذات عرق، إلى حيز الحرم، من السهل والجبل. وبها موضع لكلب يدعى جدير كلب، وهو معروف هنالك. وبجدة ولد جدة بن جزم بن ربان بن حلوان بن عمران بن قضاعة، وبها سمي.
وصار لجنادة بن معد: الغمر غمر ذى كندة دهرها الاطول، ومن هنالك أحتج القائلون في كندة بما قالوا، لمنازلهم من غمر ذي كندة، فنزل أولاد جنادة هناك، لمساكنهم ومراعي مواشيهم، من السهل والجبل، وهو أشرس، وهو أبو السكون والسكاسك ابنى أشرس بن ثور بن جنادة بن معد. قال عمر بن أبي ربيعة:
إذا سلكت غمر ذي كندة ... مع الركب قصد لها الفرقد.
هنالك إما تعزى الفؤاد ... وإما على اثرهم تكمد.
وصار لمضر بن نزار: حير الحرم إلى السروات، وما دونها من الغور، وما والاها من البلاد، لمساكنهم ومراعي أنعامهم، من السهل والحبل.
وصار لربيعة بن نزار: مهبط الجبل من غمر ذي كندة، وبطن ذات عرق وما صاقبها من البلاد، فنزلوا ما أصابهم لمساكهم ومسارح انعامهم.
وصار لقنص بن معد وسنام بن معد وسائر ولد معد: أرض مكة، أوديها وشعابها وجبالها وما صاقبها من البلاد، فاقاموا بها مع من كان بالحرام حول البيت من بقايا جرهم.
فلم تزل اولاد معد في منازلهم هذه، كأنهم قبيلة واحدة، في أجتماع كلمتهم، وائتلاف أهوائهم، تضمهم المجامع، وتجمعهم المواسم، وهم يد على من سواهم، حتى وقعت الجرب بينهم، فتفرقت جماعتهم، وتباينت مساكنهم.
قال مهلهل يذكر أجتماع ولد معد في دارهم بتهامة، وما وقع بينهم من الحرب:
غنيت دار تهامة في الدهر ... وفيها بنو معد حلولا.
فتساقوا كأسا أمرت عليهم ... بينهم يقتل العزيز الذليلا.
فأول حرب وقعت بينهم: أن حزيمة بن نهد بن زيد بن ليث بن سود أسلم بن الحاف بن قضاعة، كان يتعشق فاطمة بنت يذكر بن عنزة بن أسد ابن ربيعة بن نزار، وكان أجتماعهم في محلة واحدة، وتفرقهم النجع فيظعنون، فقال حزيمة:
إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا.
ظننت بها وظن المرء حوب ... وإن أوفى وإن سكن الحجونا.
وحالت دون ذلك من همومي ... هموم تخرج الشجن الدفينا.
أرى ابنة يذكر ظعنت فحلت ... جنوب الحزن يا شحطا مبينا.
فبلغ شعره ربيعة، فرصدوه، حتى أخذوه فضربوه، ثم التقى حزيمة ويذكر، وهما ينتحيان القرظ، فوثب حزيمة على يذكر، فقتلة، وفيه تقول العرب: " حتى يئوب قارظ عنترة " . وقال بشير بن أبي خازم:
فرجي الخير وانتظري إيابي ... إذا ما القارظ العنزي آبا.
وقال أبو ذؤيب:
فتلك التي لايبرح القلب حبها ... ولا ذكرها ما أرزمت أم حائل.
وحتى يئوب القارظان كلاهما ... وينشر في الموتى كليب لوائل.
فالقارظ الاول هو يذكر، والثاني هو عامر بن رهم بن هميم العنزي. فلما فقد يذكر قيل لحزيمة أين يذكر؟ قال: فارقني، فلست أدري أين سلك. فاتهمه ربيعة، وكان بينهم وبين قضاعة فيه شر، ولم يتحقق أمر فيؤخذ به حتى قال حزيمة:
فتاة كأن رضاب العصير ... بفيها يعل به الزنجبيل.
قتلت اباها على حبها ... فتبخل إن بخلت أو تنيل.
فاجتمعت نزار بن معد على قضاعة، وأعانتهم كندة، وأجتمعت قضاعة وأعانتهم عك والاشعرون، فاقتتل الفريقان، فقهرت قضاعة ن وأجلوا عن منازلهم، وظعنوا منجدين، فقال عامر بن الظرب بن عياذ بن بكر بن يشكر ابن عدوان بن عمرو بن قيس عيلان في ذلك:
قضاعة أجلينا من الغور كله ... إلى فلجات الشام تزجى المواشيا.
لعمري لئن صارت شطيرا ديارها ... لقد تأصر الارحام من كان نائيا.
وما عن تقال كان إخراجنا لهم ... ولكن عقوقا منهم كان باديا.
بما قدم الهدى لا در درة ... غداة تمنى بالحرار الامانيا.
وكانوا قد أقتتلوا في حرة. ويعني فلجات الزراعيين، هم الاريسيون، قال رجل من كلب في الاريسيين:

(1/6)

فإن عبدود فارقتكم فليتكم ... أرارسة ترعون ريف الاعاجم.
قال أبو الفرج فيما رواة عن رجالة عن الزهري. ودكر خبر حزيمة مع يذكر إلى هنا، ثم قال: فسارت تيم اللات بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وفرقة من بني رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة، وفرقة من الاشعريين نحو البحرين، حتى وردواهجر، وبها يومئذ قوم من النبط، فأجلوهم، فقال في ذلك مالك بن زهير " بن عمرو بن فهم بن تيم اللات بن أسد أبن وبرة بن حلوان " :
نزعنا من تهامة أي حي ... فلم تحفل بذاك بنو نزار.
ولم من أناسكم ولكن ... شرينا دار آنسة بدار.
قال: فلما نزلوا بهجر قالوا للزرقاء بنت زهير، وكانت كاهنة: ما تقولين يا زرقاء؟ قالت: سعف وإهان، وتمر وألبان، خير من الهوان. ثم أنشأت تقول:
ودع تهامة لا وداع مخالق ... بذمامة لكن قلى وملام.
لا تنكري هجرا مقام غريبة ... لن تعدمي من ظاعنين تهام.
قالوا: فما ترين يا زرقاء؟ قالت: مقام وتنوخ، ما ولد مولود وانقفت فروخ، إلى أن يجيء غراب أبقع، أصمع أنزع، عليه خلخالا ذهب، فطار فالهب، ونعق فنعب، يقع على النخلة السحوق، بين الدور والطريق، فيسيروا على وتيرة، ثم الحيرة الحيرة. فسميت تلك القبائل تنوخ لقول الزرقاء: مقام وتنوخ. ولحق بهم قوم من الازد، فصاروا إلى الآن في تنوخ، ولحق سائر قضاعة موت ذريع.
قال: وخرجت فرقة من فرقة من بني حلوان بن عمران، يقال لهم بنو تزيد بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، ورئيسهم عمرو بن مالك التزيدي، فنزلوا عبقر من أرض الجزيرة، فنسج نسائهم الصوف وعملوا منه الزرابي، فهي التي يقال لها العبقرية، وعملوا البرود، وهي التي يقال لها التزيديه، وأغارت عليهم الترك، فاصابتهم، وسبت منهم، فذلك قول عمرو بن مالك بن زهير:
ألا لله ليل لم ننمه ... على ذات الحضاب مجنبينا
وليلينا بآمد لم ننمها ... كليلتنا بميا فارقينا.
وأقبل الحارث بن قراد البهراني ليعيث في بني حلوان، فعرض له اباغ بن سليح، صاحب عين أباغ، فاقتتلا، فقتل أباغ. ومضت بهراء حتى لحقوا بالترك، فهزموهم، واستنفذوا ما بايديهم من بني تزيد، فقال الحارث أبن قراد في ذلك " وقال أبن شبه: القائل هو جدى بن الدهاء بن عشم ابن حلوان، وقال الهمداني: هو جدى بن مالك أحد بني عشم " :
كأن الدهر جمع في ليل ... ثلاث بتهن بشهور زور.
صفنا للاعاجم من معد ... صفوفا بالحزيرة كالسعير.
لقيناهم بحمع من علاف ... ترادى بالصلادمة الذكور.
وسارت سليح بن عمرو بن الحاف بن قضاعة يقودها الحدرجان بن سلمة، حتى نزلوا ناحية فلسطين، على بني أذينة بن السميدع، من عاملة. وسارت أسلم بن الحاف " وهي عذرة، ونهد، وحوتكة، وجهينة، والحارث بن سعد " حتى نزلوا من الحجر إلى واد القرى. ونزلت تنوخ بالبحرين سنتين. ثم أقبل غراب في رجليه حلقتا ذهب. فسقط على نخلة وهم في مجلسهم، فنعق نعقات ثم طار، فذكروا قول الزقاء فارتحلوا حتى نزلوا الحيرة، فأول من أختطها هم، ورئيسهم يومئذ مالك بن زهير، واجتمع إليهم لما اتخذوا بها منازل، ناس كثير من سواقط القرى، فاقاموا بها زمانا، ثم اغار عليهم سابور الاكبر " ذو الأكتاف " ، فقاتلوه، وكان شعارهم يومئذ: " يا لعباد الله " فسموا العباد، وهزمهم سابور، فسار معظمهم ومن فيه نهوض، إلى الحضر من الجزيرة، يقودهم الضيزن بن معاوية التنوخي، فمضى حتى نزلوا الحضر، وهو بناء بناه الساطرون الجرمقاني، فاقاموا به " مع الزباء، فكانوا رجالها وولاة أمرها، فلما قتلها عمرو بن عدى استولو على الملك، حتى غلبتهم غسان " . وأغارت حمير على بقية قضاعة، فخيروهم بين أن يقيموا على خراج يدفعونه إليهم، أو يخرجوا " عنهم " ، فخرجوا، وهم كلب وجرم والعلاف، وهم بنور بان أخي تغلب بن حلوان، وهم أول من عمل الرحال العلافية، وعلاف: لقب ربان، فلحقوا بالشام، فأغارت عليهم بنو كنانة بن خزيمة بعد ذلك بدهر، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، فانهزموا ولحقوا بالسماوة، فهى منازلهم إلى اليوم.
أنتهى كلام أبي الفرج.

(1/7)

قال المؤلف رحه الله: " قوله - إنما سموا عبادا لان شعارهم كان: يا لعباد الله " : قول خولف فية، فقال أبن دريد: إنما سموا عبادا لأنهم كانوا طاعة لملوك العجم، وقال الطبري في قولة تعالى: " وقومها لنا عابدون " ، معناه: مطيعون. وقال أحمد بن أبي يعقوب: إنما سمي نصارى الحيرة العباد، لأنه وفد على كسرى خمسة منهم: فقال لأحدهم: ما أسمك؟ قال عبد المسيح. وقال للثاني: ما أسمك؟ قال: عبد ياليل. وقال للثالث: ما أسمك؟ قال: عبد ياسوع. وقال للرابع: ما أسمك؟ قال: عبد الله. وقال للخامس: ما أسمك؟ قال: عبد عمرو. فقال كسرى: أنتم عباد كلكم، فسموا العباد.
وقال أبن شبة ثم ظعنت قضاعة كلها من غور تهامة وسعد هذيم ونهد أبنا زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة منجدين، فمالت كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران، إلى حضن والسي وما صاقبها من البلاد، غير شكم اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب، فإنهم انضموا إلى نهد أبن زيد اللات بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران إلى البحرين، وتنخوا بها معهم، ولحقت عصيمة بن اللبوة بن أمرئ بن قتيبة بن النمر أبن وبرة بن تغلب بكلب، فانضموا إليهم، ولحقت بهم قبائل من جرم بن ربان بن حلوان بن عمران، وثبتوا معهم بحضن، فاقاموا هنالك، وانتشر سائر قبائل في البلاد، يطلبون المتسع في المعاش، ويؤمون الارياف والعمران، فوجدوا بلادا واسعة خالية في أطراف الشام، قد خرب اكثرها، واندفعت آبارها، وغارت مياهها لاخراب بختنصر لها، فافترقت قضاعة فرقا أربعا، ينظم إلى الفرقة طوائف من غيرها، يتبع الرجل أصهاره وأخواله.
فسار ضجعم بن حماطة بن عوف بن سعد بن سليمح بن حلوان بن عمران أبن الحاف بن قضاعة، إلى أطراف الشام ومشارفها، وملك العرب يومئذ ظرب أبن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر العمليقي، فانظموا إليه، وصاروا معه، فانزلهم منازل الشام، من البلقاء إلى حوارين إلى الزيتون، فلم يزالوا مع ملوك العماليق، يغزون معهم المعازي، ويصيبون معهم المغانم، حتى صاروا مع الزباء بنت عمرو بن ظرب بن حسان المذكور، فكانوا فرسانها وولاة أمرها، فلما قتلها عمرو بن عدى بن نصر اللخمي، أستولو على الملك بعدها، فلم يزالوا ملوكا حتى غلبتهم غسان على الملك، وسليح وتلك القبائل في منازلهم التي كانوا ينزلونها إلى اليوم.
قال: وسار عمرو بن مالك التزيدي في تزيد وعشم ابني حلوان بن عمران وجماعة من علاف، وهو ربان بن حلوان، وهم عوف بن ربان، وبنو جرم أبن ربان، إلى اطراف الجزيرة، ثم خالطوا قراها وعمرانها، وكثروا بها، وكانت بينهم وبين الاعاجم هناك وقعة، فهزموا الاعاجم، وأصابوا فيهم، فقال شاعرهم جدى بن دهاء. وأنشد شعرة وشعر عمرو بن مالك المتقدمين. ثم قال: فلم يزالوا بناحية الجزيرة حتى أغار عليهم سابور ذو الاكتاف، فافتتحهها، وقتل بها جماعة من تزيد وعشم وعلاف، وبقيت منهم بقية لحقت بالشام.
وسارت بلى وبهراء وخولان، بنو عمرو بن الحاف بن قضاعة، ومهرة بن حيدان ومن لحق بهم، إلى بلاد اليمن، فوغلوا فيها، حتى نزلوا مأرب: أرض سبأ، بعد أفتراق الازد منها، وأقاموا بها زمانا، ثم أنزلوا عبدا لاراشة بن عامر ابن عبيلة بن قسميل بن فران بن بلى، يقال له أشعب، في بئر بمأرب، وأدلوا عليه دلاءهم فطفق الغلام يملاٌ لمواليه ويؤثرهم، ويبطئ عن زيد اللات بن عامر بن عبيلة، فغضب، فحط علية صخرة وقال: دونك يا أشعب، فدمغته، فاقتتل القوم، ثم تفرقوا. فتقول قضاعة إن خولان أقامت باليمن، فنزلوا مخلاف خولان، وإن مهرة أقامت هناك، وصارت منازلهم الشحر، وإنه مهرة بن حيدان بن عمران بن الحاف، وإنه خولان بن بن عمرو بن الجاف. ويأبى نساب اليمن ذلك، فيقولون: هو خولان بن عمرو بن مالك بن مرة بن أددبن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ولحق عامر بن زيد اللات بن عامر بن عبيلة بسعد العشيرة. قال الملثم بن قرط البلوى في ذلك:
ألم تر أن الحي كانوا بغبطة ... بمأرب إذ كانوا يحلونها معا.
بلى وبهراء وخولان إخوة ... لعمرو بن حاف فرع من قد تفرعا.
أقام بها خولان بعد أبن أمه ... فاثرى لعمري في البلاد وأوسعا.

(1/8)

فلم أر حيا من معد عمارة ... أجل بدار العز منا وامنعا.
وانصرفت جماعة من تلك القبائل راجعين إلى بلادهم من تهامة والحجاز، فقدموها، وتفرقوا فيها، فنزل ضبيعة بن حرام بن حعل بن عمرو بن جشم بن ودم بن ذبيان بن هميم بن ذهل بن هنى بن بلى، في ولده واهله، بين أمج وعروان، وهما واديان يأخذان من حرة بني سليم ويفرغان في البحر، ولهم أنعم واموال، ولضيعة إبل يقال لها الدجحان سود. قال: فطرقهم السيل وهم نيام، فذهب بضبيعة وابله، فقالت بائحته: سال الوديان، امج وعروان، فذهبت بضبيعة بن حرام وإبله الدجحان. وتحول ولد ضبيعة ومن كان معهم من قومم إلى المدينة وأطرافها، وهم سلمه بن حارثة بن ضبيعة، وواثله بن حارثة، والعجلان بن حارثة، فنزلوا المدينة وهم حلفاء الانصار، ثم أستوبئوها، فتحولوا إلى الجندل والسقيا والرحبة. ونزل بنو أنيف بن جشم بن تميم بن عوذ مناة بن ناج بن تيم بن إراشة بن عامر بن عبيلة: قباء، وهم رهط طلحة بن البراء الانصاري. ونزل بنو غصينة، وهم سواد بن مرى ابن إراشة، وهم رهط المجذر بن ذياد البدري: المدينة. ونزل المدينة أيضا بنو عبيد ابن عمرو بن كلاب بن دهمان بن غنم بن ذهل بن هميم، المذكور قبل، وهم رهط أبي بردة بن نيار بن عمرو بن عبيد بن عمرو العقبي البدري. وأقام بمعدن سليم فران بن بلى، في طائفة من بلى، وهم بنو الاخثم بن عوف بن حبيب ابن عصية بن خفاف بن أمرئ القيس بن بهثة بن سليم، وهم الذين يقال لهم القيون، ويزعمون أن اصلهم من بلى، مع اناس وجدهم هناك من العاربة الاولى، من بني فاران بن عمرو بن عمليق. وخاصم رجل منهم يقال له عقيل بن فضيل بني الشريد في معدن فاران زمن عمرو بن الخطاب رضي الله عنه، فقال في ذلك خفاف بن عمير:
متى كان للقينين قين طمية ... وقين بلى معدنان بفاران.
فقال عقيل بن فضيل وهو يتقرب إلى بلى وينتسب إليهم:
أنا عقيل ويقال السلمى ... وأصدق النسبة أني من بلى.


التعديل الأخير تم بواسطة فرناس ; 01-24-2020 الساعة 07:12 AM
فرناس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-24-2020, 06:59 AM   #2
فرناس
باحث
 
تاريخ التسجيل: May 2014
المشاركات: 1,028
افتراضي

ونزلت قبائل من بلى أرضا يقال لها شغب وبدا، وهي فيما بين تيماء والمدينة، فلم يزالوا بها حتى وقعت الحرب بين بني حشنة بن عكارمة بن عوف ابن جثم بن ودم بن ابن هميم بن ذهل بن هني بن بلى، وبين الربعة بن معتم بن ودم - هكذا قال ابن شبة. وإنما الربعة ولد سعد بن هميم بن ذهل بن هني ابن بلى. والربعة: بفتح الراء والباء - فقتلوا نفرا من بني الربعة، ثم لحقوا بتيماء، فابت يهود ان يدخلوهم حصنهم وهم على غير دينهم، فتهودوا، فأدخلوهم المدينة، فكانوا معهم زمانا، ثم خرج منهم نفر إلى المدينة، فأظهر الله الاسلام وبقية من اولادهم بها. ومنهم عويم بن ساعده، وقد انتسب ولده إلى عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس، وكعب بن عجزة كان مقيما في نسبة من بلى، ثم انتسب بعد في بني عمر بن عوف في الانصار. وأقام بطون حشنة بن عكارمة بتيماء، حتى انزل الله باليهود يهود الحجاز ما انزله من بأسه ونقمته، فقال أبو الذيال اليهودي، أحد بني حشة بن عكارمة، يبكي على اليهود:
لم ترى عيني مثل يوم رأيته ... برعبل ما أحمر الاراك وأثمر.
وأيامنا بالكبس قد كان طولها ... قصيرا وأيام برعبل أقصر.
مالك التغلبيين، إلى بني الحارث بن سعد هذيم بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة:
ألا تغني كنانة عن أخيها ... زهير في الملمات الكبار.
فيبرز جمعنا وبنو عدي ... فيعلم أينا مولى صحار.
وقال بشر بن أبي خازم الاسدي: وشب لطي الجبلين حرب تهر لشجونها منها صحار.
وقال حاجز الازدي، أزد شنوءة، أحد بني سلامان بن مفرج، في الحرب التي كانت بين الازد ومذحج وأحلافها، وهو يعني نهد بن زيد، وقد ضم إليهم جرم بن ربان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وكانت نهد وجرم حلفاء بتلك البلاد ومتجاورين، وكانت جرم قد أصحرت، فاقامت بنجد:
فجاءت خثعم وبنو زبيد ... ومذحج كلها وأبنا صحار.
فلم نشعر بهم حتى أناخو ... كأنهم ربيعة في الجمار.
وقال عباس بن مرداس ي الحرب التي كانت بين بني سليم وبني زبيد، وهو يعني نهدا، وضم إليه جرم بن ربان:
فدعها ولكن هل أتاها مقادنا ... لاعدائنا نزجى الثقال الكوانا.

(1/9)

بجمع نريد أبني صحار كليهما ... وآل زبيد مخطئا أو ملامسا.
فأقامت جهينة ونهد وسعد بصحار في نجد زمانا، فكثروا وتلاحق أولاد أولادهم، حتى وثب حزيمة بن نهد وكان مشئوما فاتكا جريئا، على الحارث وعرابة ابني سعد بن زيد، فقتلهما، فقال في ذلك نهد أبوه:
وهل نجاتي من دون عرابة أن ... صارت محلة بيتي السفح والجبلا.
وحاجة مثل حر النار داخلة ... سليتها بكناز ذمرت جملا.
مطوية الزور طي البئر دوسرة ... مفروشة الرجل فرشا لم يكن عقلا.
وكان نهد منيعا، كثير التبع والولد، وعمر عمرا طويلا، وهو أكثر قومة ولدا لصلبه، وهم أربعة عشر ذكرا. منهم لبرة بنت مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر - وهي أم أسد بن خزيمة، وأم النضر بن الكنانة: مالك، وحزيمة، وعمرو، وهو الذي يقال له كبد بني نهد، وزيد، ومعاوية، وصباح، وكعب، بنو نهد، وكعب هو أبو سود. ومنهم لامراة من قضاعة من بني القين بن جسر: حنظلة، وعائر، وعائذة، وجششم، وهو الطول، وشبابه، وأبان، وعائدة، بنو نهد.
وأوصى نهد بنيه حين حضرته الوفاة فقال: أوصيكم بالناس شرا، ضربا أزا وطعنا وخزا، كلموهم نزرا، وانظروهم شزرا، واطعنوهم دسرا، أقصر وا الاعنة، وطرروا الاسنة، وارعوا الغيث حيث كان.
فقال: رجل من ولده، يرون أنه حزيمة: وإن كان على الصفى؟ فقال نهد: حافة الصفا، فلم يرخص لهم في ترك النجعة.فهذه وصية نهد التي تذكرها العرب. قال هبيرة بن عمرو بن جرثومة النهدي:
واوصى أبونا فاتبعنا وصاته ... وكل أمرئ موص أبوه وذاهب.
فأوصى بألا تستباح دياركم ... وحاموا كما كنا عليها نضارب.
إذا أوقدت نار العدو فلا يزل ... شهاب لكم ترمى به الحرب ثاقب.
يفرج عن أبنائنا ونسائنا ... جلاد وطعن يردع الخيل صائب.
وما ذاد عنا الناس إلا سيوفنا وخطية مما يترص زاعب.
وكندة تهذي بالوعيد ومذحج ... وشهران من أهل الحجاز وواهب.
وزاعب: رجل من حمير، كان يثقف الرماح.
وقال عمرو بن مرة بن مالك النهدي، أحد بني زوى بن مالك، زمن علي أبن أبي طالب:
رحلت إلى كلب بحر بلادها ... فلم يسمعوا في حاجتي قول قائل.
وكانوا كظى إذا رحلت إليهم ... وما عالم بالمكرمات كجاهل.
رهنت يميني في قضاعة كلها ... فأبت حميدا فيهم غير خامل.
بذلك أوصاني زوى بن مالك ... ونهد بن زيد في الخطوب الاوائل.
واوصى بالا تستباح دياركم ... وحامو عليها تنطقوا في المحافل.
وغالوا بأخذ المكرمات فإنها ... تفوز غداة السبق عند التفاضل.
وكان حنضلة بن نهد من أشراف العرب، وكان له منزلة بعكاظ في مواسم العرب، وبتهامة والحجاز، ولذلك يقول قائلهم:
حنظلة بن نهد ... خير ناش في معد.
وعاش الذويد - وأسمه جذيمة بن صبح بن زيد بن نهد - زمانا طويلا، لا تذكر العرب من طول عمر أحد ما تذكر من طول عمره، زعموا أنه عاش أربع مئة سنة، وقال حين حضرته الوفاة:
اليوم يبني لذويد بيته
" يا رب غيل حسن ثنيته "
ومعصم موشم لويته
ومغنم في غارة حويته
لو كان للدهر بلى أبليته
أو كان قرني واحد كفيته
وقال:
ألقى على الدهر رجلا ويدا
والدهر ما أصلح يوما ما أفسده
ويسعد الموت إذا الموت عدا
فلما قتل حزيمة أبني سعد بن زيد، تدابر القوم وتقاتلوا، وتفرقوا إلى البلاد التي صاروا إليها.
قال ابن الكلبي: وكان أول أمر جهينة بن زيد بن ليث بن أسلم بن الحاف أبن قضاعة في مسيرهم إلى جبالهم وحلولهم بها، فيما حدثني أبو عبد الرحمن المدني، عن غير واحد من العرب: أن الناس بينما هم حول الكعبة، إذ هخم بخلق عظيم يطوف، قد آزى رأسه أعلى الكعبة، فاجفل الناس هاربين، فناداهم: ألا تراعوا، فااقبلوا إليه وهو يقول:
لاهم رب البيت ذى المناكب
ورب كل راجل وراكب
أنت وهبت الفتية اللاهب
وهجمة يحار فيها الحالب
وثلة مثل الجراد السارب
ممتاع أيام وكل ذاهب.

(1/10)

فنظروا فإذا هي امرأة، فقالوا: ما أنت: إنسية أم جنية؟ قالت: لا، بل
إنسية من آل جرهم ... أهلكنا الذر زمان يعلم
بمجحفات وبموت لهذم للبغي منا وركوب المأثم ثم قالت: من ينحر لي كل يوم جزورا، ويعد لي زادا وبعيرا، ويبلغني بلاد اقورا، أعطه مالا كثيرا. فانتدب لذلك رجلان من جهينة، فسارا بها اياما، حتى انتهت إلى جبل جهينة، فأتت على قرية نمل وذر، فقالت: يا هذان، أحتفرا هذا المكان، فأحتفرا عن مال كثير: من ذهب وفضة، فأوقرا بعيرهما، ثم قالت لهما: إياكما أن تلفتا فيختلس ما معكما. قال: وأقبل الذر حتى غشيهما، فمضيا غير بعيد، فالتفتا، فأختلس ما كان معهما من المال، وناديا: هل من ماء؟ قالت: نعم أنظا في موضع هذه الهضاب، وقالت، وقد غشيها الذر:
ياويلتي يا ويلتي من أجلي
ري صغار الذر يبغي هبلي
سلطن يفرين على محملي
يا رأين أنه لابد لي
من منعه أحرز فيها معقلي
ودخل الذر منخريها ومسامعها، فوقعت، لشقها فهلكت. ووجد الجهينيان عند الهضبة الماء، وهو الماء الذي يقال له مشجر، وهو بناحية فرش ملل، من مكة على سبع أو نحوها، ومن المدينة على ليلة، إلى جانب مثعر، ماء لجهينة معروف، فيقال إنهما بقيا بتلك البلاد، وصارت بها جماعة جهينة. وكانت بقايا من جذام، سكان أرض بتلك البلاد، يقال لها يندد، فأجلتهم عنها جهينة، وبها نخل وماء، فقال رجل من جدام حين ظعن منها، والتفت إلى يندد ونخلها:
تأبرى يندد لا آبر لك.
وكان لعجوز من جذام هناك نخيلات بفناء بيتها، وكانت إذا سئلت عنهن قالت: هن بناتي. فقيل لهن بنات بحنه، ولا يعلمونها كانت بموضع قبل يندد، وفيها يقول الراجز:
لا يغرس الغارس إلا عجوه
أو ابن طاب ثابتا في نجوه
أو الصياحي أو بنات بحنه.
فنزلت جهينة تلك البلاد، وتلاقت قبائلهم وفضائلهم، فصارت نحو من عشرين بطنا، وتفرقت قبائل جهينة في تلك الجبال، وهي الأشعر والاجرد وقدس وآرة ورضوى وصندد، وانتشروا في أوديتها وشعابها وعراصها، وفيها العيون، والنخل، والزيتون، والبان، والياسمين، والعسل، وضرب من الأشجار والنبات، وأسهلوا إلى بطن إضم وأعراضه، وهو واد عظيم، تدفع فيه أودية، ويفرع في البحر ونزلوا ذا خشب، ويندد، والحاضرة، ولقفا، والفيض، وبواط، والمصلى وبدرا، وجفاف، وودان، وينبع، والحوراء، ونزلوا ما أقبل من العرج والخبتين والرويثة والروحاء، ثم استطالوا على الساحل، وامتدوا في التهائم وغيرها، حتى لقوا بليا وجذام بناحية حقل من ساحل تيماء، وجاورهم في منازلهم على الساحل قبائل من كنانة. ونزلت طوائف من جهينة بذذى المروة وما يليها إلى لفيف، فلم تزل جهينة بمنازلها حتى جاورتهم بها أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان، ثم نزلتها معهم مزينة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر، فتجاورت هذه القبائل في هذه البلاد، وتنافسوا فيها - وبيان ما صار لكال قبيلة من تلك الجبال وبلادها، في الموضع الذي فيه حديث تلك القبيلة وعلم أمرها من هذا الكتاب - فخالفت بطون من جهينة بطونا من قيس عيلان، ونزلوا ناحية خيبر وحرة النار إلى القف، وفي ذلك يقول الحصين أبن الحمام المري، في الحرب التي كانت بين صرمة بن مرة وسهم بن مرة:
فيا أخوينا من بني أبينا وأمنا ... ذروا موليينا من قضاعة يذهبا
فإن انتم لم تفعلوا " لا أبا لكم " ... فلا تعلقونا ما كرهنا فنغضبا.
فلم تزل جهينة في تلك البلاد وجبالها والمواضع التي حصلت لها، بعد الذي صار لا شجع ومزينة من المنازل والمحال التي هم بها، إلى أن قام الإسلام، وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم ظعنت بعد جهينة سعد هذيم ونهد، ابنا زيد بن ليث بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، فنزلوا وادي القرى والحجر والجناب، وما والاهن من البلاد، ولحقت بهم حوتكة بنت سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، وفصائل من قدامة بن جرم بن الربان، وهو علاف بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وبنو ملكان بن جرم، غير شكم بن عدي بن غنم بن ملكان بن جرم، وهم بطن ينسبون إلى فزارة، ويقولون: شكم بن ثعلبة بن عدي بن فزارة، والقوم حيث وضعوا أنفسهم.

(1/11)

فنزلت هذه القبائل تلك البلاد، فلم يزالوا بها حتى كثروا وانتشروا، فوقعت بينهم حرب، وكان العدد والقوة والعز والثروة في قبائل سعد بن زيد، فأخرجوا نهدا وحوتكة وبطون جرم منها، ونفوذهم عنها، ورئيس بني سعد يومئذ رزاح بن ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كبير بن سعد بن زيد، وهو أخو قصي بن كلاب لامه، ولم تجتمع قضاعة على أحد غيرة وغير زهير بن جناب الكلبي، فقال زهير لما بلغة الذي كان من امرهم، وإخراج رزاح قومه تلك القبائل من تلك البلاد، كراهة لذلك وعرف ما في تفرقهم من القلة والوهن، وساءه ذلك:
ألا من مبلغ عني رزاحا ... فإني قد لحيتك في أثنين.
لحيتك في بني نهد بن زيد ... كما فرقت بينهم وبيني.
أ حوتكة بن أسلم إن قوما ... عنوكم بالمساءة قد عنوني.
فظعنت نهد وحوتكة وجرم من تلك البلاد، وافترقت منها فصائل في العرب، فلحقت بنو أبان وبنو نهد ببني تغلب بن وائل، فيقال إنهم رهط الهذيل بن هبيرة التغلبي، قال عمرو بن كلثوم التغلبي وهو يعني الهذيل:
هلكت وأهلكت العشيرة كلها ... فنهدك نهد لا أرى له أرقما
وقال بشر بن سوادة بن شلون في ذلك للهذيل:
ا نهديا إذا ما جئت نهدا ... وتدعى بالجزيرة من نزار
ألا تغي كنانة عن أخيها ... زهير في الملمات الكبار
فيبرز جمعنا وبنو عدي ... فيعلم أينا مولى صحار
وقال خراش: هذا الشعر لعمرو بن كلثوم التغلبي.
وسارت حوتكة بعد إلى مصر، وأقام منهم أناس مع بلى، واناس مع بني حميس من جهينة، وأناس أيضا في بني لاي من بني عذرة، ويقال إن الذين بمصر عامتهم أنباط.
وسارت قبائل جرم ونهد إلى بلاد اليمن: مالك، وحزيمة، وصباح، وزيد، ومعاوية، وكعب وأبو سود، بنو نهد، فجاوروا وذجح في منازلهم من نجران وتثليث وما والاها، فنزلوا منها أرضا تلي السراة، يقال لها أديم وأمرهم يومئذ جميع، وكلمتهم واحدة، وغلبوا علىبعض تلك البلاد، وناكرتهم طوائف من قبائل مذحج، وطمعوا فيهم، فقال عبد الله بن دهثم النهدي في ذلك:
لأخرجن صريما من مساكنها ... والمرتين وهمام بن سيار
لم أدر ما يمن وأرض ذي يمن ... حتى نزلت أديما أفسح الدار
صريم رجل من بني زوى بن مالك بن نهد. وهمام:منهم.والمرتان:مرة بن مالك بن نهد، وأخ له آخر، له أسم غير مرة فسماها المرتين بأحدهما، وقال عمرو بن معد يكرب الزبيدي:
لقد كان الحواصر ماء قومي ... فأصبحت الحواصر ماء نهد
وقال هبيرة بن عمرو النهدي، وهو يذكر قبائل مذحج وخثعم، وتنمرهم لهم، وتواعدهم إياهم:
وكندة تهذي بالوعيد ومذحج ... وشهران من أهل الحجاز وواهب
قال ونزلت خثعم السراة قبل نهد.
قال فكثرت بطون جرم ونهد بها وفصائلهم، فتلاحقوا، فاقتتلوا وتفرقوا، وتشتت أمرهم، ووقع الشر بينهم، وفي ذلك يقول أبو ليلى النهدي، وهو خالد بن الصقعب، جاهلي:
أتعرف الدار قفرا أم تحييها ... أم تسأل الدار عن أخبار أهليها
دار لنهد وجرم إذ هم خلط ... إذ العشيرة لم تشمت أعاديها
حتى رأت سراة الحي قد جنحت ... تحت الضبابة ترمينا ونرميها
وأصبح الود والارحام بينهم ... زرق الأسنة مجلوزا نواحيها
إذ لا تشايعني نفسي لقتلتهم ... ولا لأخذ نساء الهون أسبيها
فلحقت نهد بن زيد ببني الحارث بن كعب، فحالفوهم وجامعوهم، ولحقت جرم بن ربان ببني زبيد، فحالفوهم وصاروا معهم، فنسبت كل قبيلة مع حلفائها، يغزون معهم، ويحاربون من يحاربهم، حتى تحاربت بنو الحارث وبنو زبيد، في الحرب التي كانت بينهم، فالتقوا وعلى بني الحارث عبد الله بن عبد المدان، وعلى بني زبيد عمرو بن معد يكرب الزبيدي، فتعبى القوم، فعبيت جرم لنهد، وتواقع الفريقان، فاقتتلوا، فكانت الدبرة يومئذ على بني زيد، وفرت جرم من حلفائها من زبيد، فقال عمرو بن معد يكرب في ذلك، وهو يذكر جرما وفرارها عن زبيد:
لحا الله جرما كلما ذر شارق ... وجوه كلاب هارشت فاز بأرتِ

(1/12)

ظللت كأني للرماح درية ... أقاتل عن أبناء جرم وفرتِ
ولم تغن جرم نهدها إذ تلاقتا ... ولكن جرما في اللقاء ابذ عرتِ
فلحقت جرم بنهد، وحالفوا في بني الحارث، وصاروا يغزون معهم إذا غزوا ويقاتلون معهم من قاتلوا، فقال في ذلك عمرو بن معد يكرب - قال أبن الكلبي: أنشدنيها أسعر بن عمرو الجعفي، قال أنشدنيها خالد بن قطن الحارثي:
قل للحصين إذا مررت به ... أبصر إذا راميت من ترمى
تهدي الوعيد لنا وتشتما ... كمعرض بيديه للدهم
أ رأيت إن سبقت اليك يدي ... بمنهد يهتز في العظم
هل يمنعك إن هممت به ... عبداك من نهد ومن جرم.
قصيدة طويلة.
وقال خالد بن الصقعب النهدي فيما كان بين نهد وجرم:
عقدنا بيننا عقدا وثيقا ... شديدا لا يوصل بالخيوطِ
فتلك بيوتنا وبيوت جرم ... تقارب شعر ذي الرأس المشيطِ
إذا ركبوا ترى نفيان خيل ... مضرجة باٌبدان شميطِ
ويؤويها الصريخ إلى طحون ... كقرن الشمس أو كصفا الاطيط
فلم تزل جرم ونهد بتلك البلاد وهي على ذلك الحلف، حتى أظهر الله الإسلام، ومن هناك هاجر من هاجر منهم، وبها بقيتم.
وأقامت قبائل سعد هذيم بن زيد بن ليث بن السود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، بمنازلها من وادي القرى والحجر والجناب وما والاها من البلاد، فانتشروا فيها، وكثروا بها، وتفرقوا أفخاذا وقبائل، فكان في عذرة بن سعد - وأمه: عاتكة بنت مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر - العدد والشرف، ومنهم رزاح بن ربيعة، أخو قصي بن كلاب لامه، وفيهم كان بيت بني عذرة بن سعد - وأمه: فاطمة بنت سعد بن سيل.
قال وكان أهل وادي القرى وما والاها اليهود يومئذ، كانوا نزلوها قبلهم على آثار من آثار ثمود والقرون الماضية، فاستخرجوا كعظائمها، وأساحوا عيونها وغرسوا نخلها وجنانها، فعقدوا بينهم حلفا وعقدا، وكان لهم فيها على اليهود طعمه واكل في كل عام، ومنعوها لهم من العرب، ودفعوا عنها قبائل بلى أبن عمرو ابن الحاف بن قضاعة، وغيرهم من القبائل.
وقد كان النعمان بن الحارث الغساني أراد أن يغزو وادي القرى وأهلة، وأجع على ذلك، فلقيه نابغة بني ذبيان، واسمه زياد بن معاوية، فأخبره خبرهم، وحذره إياهم، ليصده عنهم، وذكر بأسهم وشدتهم ومنعهم بلادهم، ودفعهم عنها من أرادها، وقال في ذلك:
لقد قلت للنعمان يوم لقيته ... يريد بني حن ببرقة صادر
تجنب بني حن فإن لقاءهم ... كريه وإن لم تلق إلا بصابر
هم قتلوا الطائي بالحجر عنوة ... أبا جابر واستنكحوا أم جابر
وهم ضربوا أنف الفزاري بعد ما ... أتاهم بمعقود من الأمر فاقر
وهم منعوها من قضاعة كلها ... ومن مضر الحمراء عند التغاور
وهم طرفوا عنها بليا فأصبحت ... بلى بواد من تهامة غائر
فتطمع في وادي القرى وجنوبه ... وقد منعوه من جميع المعاشر
وهم منعوا وادي القرى من عدوهم ... بجمع مبير للعدو المكاثر
أبو جابر: ابن الجلاس بن وهب بن قيس بن عبيد بن طريف بن مالك أبن جدعاء بن ذهل بن رومان الطائي. وبنو حن بن ربيعة بن حرام بن ضنة: من بني عذرة بن سعد هذيم.
فلم يزالوا على ذلك، قد منعوا تلك البلاد، وجاوروا اليهود فيها، حتى قدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: جمرة بن النعمان بن هوذة بن مالك أبن سمعان بن البياع بن دليم بن عدي بن حزاز بن كاهل بن عذرة، فجعل له رمية سوطه، وحضر فرسه، من وادي القرى، وجعل لبني عريض من اليهود تلك الأطعمة التي ذكرنا في كل عام، من ثمار الوادي، وكان بنو عريض أهدوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم خزيرا أو هريسة وامتدحوه، فطعمه بني عريض جارية إلى اليوم، ولم يجلوا فيمن أجلى من اليهود.

(1/13)

قال هشام: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الأنصاري ثم العجلاني، عن إبراهيم بن البكير البلوى، عن يثربي بن أبي قسيمة السلاماني، عن أبي خالد السلاماني، قال: خرج رجل من مداش - ومداش بن شق بن عبد الله ابن دينار بن سعد هذيم - يقال له ورد، جمرة بن النعمان بعد أن أقطعه الرسول صلى الله عليه وسلم الوادي، فكسر عصا كانت بيد جمرة، فأستأدى جمرة عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوا أسد الهورات، فأ قطعه حائطا بوادي القرى، يقال له حائط المداش.
وكانت كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وجرم بن ربان، وعصيمة بن اللبو بن أمرئ مناة بن فتية بن النمر بن وبرة بن تغلب بن حلوان، بمنازلها من حصن، وما والاها من ظواهر أرض نجد، ينتجعون البلاد، وتبعون مواقع القطر، حتى أنتشرت قبائل بني نزار بن معد وكثرت، وخرجت من تهامة إلى ما يليها من نجد والحجاز، فأزالوهم عن منازلهم، ورحلوا عنها، ونافسوهم فيها، فتفرقوا عنها فظعنت جرم بن ربان عن مساكنهم، من حضن وما قاربه، فتوجهت طائفة منهم إلى ناحية تيماء ووادي القرى، مع بني نهد بن زيد، وحوتكة بن سود بن أسلم، فصاروا أهلها وسكانها، فلم يزالوا بها حتى وقعت بينهم وبين قبائل سعد هذيم ابن زيد حرب، فأخرهم بنو سعد منها، فلحقوا ببلاد اليمن. وقد فيرنا أمرهم في حربهم، ومسيرهم إلى اليمن، ومقامهم هنالك، في مقدم حديث قضاعة وتفرقهم.
وسارت ناحية بن جرم، وراسب بن الخزرج بن جدة بن جرم، وقدامة بن جرم، وملكان بن جرم، متوجهين إلى عمان، فمروا باليمامة، فاقامت طائفة منهم بها، ومضت جماعتهم حتى قدموا عمان، فجاوروا الازد بها، وأقاموا معهم، وصاروا من اتلاد عمان، الذين فيها، وفيه يقول المتلمس:
إن علافا ومن بالطود من حضن ... لما رأوا أنه دين خلا بيس
ردوا إليهم جمال الحي فاحتملوا ... والضيم ينكره القوم المكاييس
ويقال ان سامة بن لؤي بن غالب القرشي، خرج من الحرم، فنزل عمان، وبها تزوج أمرأته الجرمية، التي منها ولده، وهي ناجية بنت جرم، فيما ذكر الكلبي، وجرم يقولون: ناجية بن جرم تزوج هند بنت سامة ابن لؤي. وقال غير الكلبي: هي ناجية بنت الخزرج بن جدة بن جرم. فصاروا بنو سامة بن لؤي بعمان حيا حريدا شديدا، ولهم منعة وثروة، يقال لهم بنو ناجية، وفي ذلك يقول المسيب بن علس الضبعي:
وقد كان أسامة في قومة ... له مأكل وله مشرب
فساموه خسفا فلم يرضه ... وفي الأرض عن خسفهم مذهب
فقال لسامة إحدى النسا ... ء مالك يا سام لا تركب.
أكل البلاد بها حارس ... مطل وضرغامة أغلب
فقال بلى أنني راكب ... وإني لقومي مستعتب
فشد أمونا بأنساعها ... بنخلة إذ دونها كبكب
فجنبها الهضب تردى به ... كما شجى القارب الاحقب
فلما أتى بلدا سرة ... به مرتع وبه معزب
وحصن حصين لأبنائهم ... وريف لعيرهم مخصب
تذكر لما ثوى قومه ... ومن دونهم بلد غرب
فكرت به حرج ضامر ... فآبت به صلبها أحدب
فقال ألا فابشروا واظعنوا ... فصارت علاف ولم يعقبوا
ولم ينه رحلتهم في السما ... ء نحس الخراتين والعقرب
فبلغه دلج دائب ... وسير إذا صدح الجندب
فحين النهار يرى شمسه ... وحينا يلوح لها كوكب
وهي طويلة.
ولحق بهم فيما يقال، والله اعلم، بنو فدى بن سعد بن الحارث بن أسامة ابن لؤي، فانتسبوا إليهم. وكان فدى ابن سعد قتل ابن أخ له، يقال له حمرة بن عمرو بن سعد، ثم لحق باليحمد بن حمى بن عثمان بن نصر بن زهران من الازد. وقال عدي بن وقاع العقوي - وهو من العقاة من الازد، وأسم العقي: منقذ بن عمرو بن مالك بن فهم، وإنما سمي العقي لأنه قتل أخاه جرموزا، فقيل عنه، فسمي لقتله اياه العقي - فقال في شأن جرم ونزولهم عمان، ووقعة كانت هنالك بينهم:

(1/14)

ناج ابن جرم فما أسباب جيرتكم ... بني قدامة ان مولاهم فسدا
دليتموهم بأمراس لمهلكة ... جرد تبين في مهواتها جرد
أخرجتموهم من الاجرام فاجتمعوا ... يبغون خيرا فلاقوا نجعة حشدا
إلى عمان فداستهم كتائبنا ... يوم الرئال فكانوا مثل من حصدا.
وانحازت كلب من منازلها التي كانوا بها، من حضن وما والاه، إلى ناحية الربدة وما خالفها، إلى جبل طمية، وفي ذلك يقول زهير بن جناب الكلبي وهو يوصي بنيه، ويذكر منزلة طمية:
أبني إن أهلك ... فإني قد بنيت لكم بنية
وتركتكم أرباب سا ... دات زنادكم وريه
ولكل ما نال الفتى ... قد نلته الا التحية
ولقد شهدت للنار لل ... سلاف توقد في الطميه
يعني يوم خزار حين أوقدوا.
فوقعت بين قبائل كلب حرب، فاقتتلوا، فكانت كلب كلها يدا على بني كنانة بن بكر بن عوف بن عذره بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور ابن كلب، فظهرت بنو كنانة كلها.
قال هشام: الصحة من ذلك أن عامر بن عوف بن بكر بن عوف بن عذرة، وعبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف وأحلافهم، كانوا يدا على بني كنانة وأحلافها، فظهرت بنو كنانة على هاتين العمارتين: بني عامر وبني عبد الله. وفي ذلك اليوم تحافت أحلاف كلب كلها، فتفرقت كلب كلها، وتباينت في ديارها ومنازلها.
فظعنت قبائل من بني عامر بن عوف بن بكر إلى أطراف الشام وناحية تيماء، فيمن لحق بهم وكان معهم. وليست لعامر بادية.
ونزلت كلب ومن حالفهم وصار معهم من قبائل كلب، بخبت دومة، إلى ناحية بلاد طيء، من الجبلين وحيزهما، إلى طريق تيماء، وبدومة غلبهم بنو عليم بن جناب، فقال أوس بن حارثة بن أوس الكلبي، جاهلي، في الحرب التي كانت بينهم:
سقنا رفيدة حتى احتل أولها ... تيماء يذعر من سلافها جدد
سرنا إليهم وفينا كارهون لنا ... وقد يصادف في المكروهة الرشد
حتى وردنا على ذبيان ضاحية ... إنا كذاك على ما خيلت نرد
قال هشام عن الشرقي: وكان أول بيت في قضاعة، في حنظلة بن نهد أبن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، وكان صاحب فتاحتهم، وهو حكمهم الذي يحكم بينهم، وله يقول القائل:
حنظلة بن نهد ... خير ناش في معد
وكان وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة مرض مرضة، فرفع يده إلى السماء، فقال: اللهم أدلني من نهد، وأدل بني من يني نهد. قال: وعز قضاعة يومئذ وشرفها في بني نهد، وكان حنظله بن نهد صاحب فتاحة تهامة، وصاحب العرب بعكاظ، حين يجتمع في أسواقها، فتحول ذلك إلى كلب وبره، فكان أول كلبي جمع كلبا وضربت عليه القبة، عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور ابن كلب، ودفع إليه ود. ثم ضربت من بعده على ابنه عبد ود بن عوف، ودفع الضم إلى أخيه عامر الأجدر بن عوف. ثم ضربت من بعده على الشجب بن عبد ود بن عوف. ثم ضربت من بعده على ابنه عبد الله بن الشجب. ثم ضربت على ابنه عامر بن عبد الله، وهو المتمني. ثم تحول بيت والشرف إلى زهير بن جناب، فلم يزل فيه عمره حتى هلك. ثم تحول إلى عدي بن جناب، فكان منهم في الحارث بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب: ثم تحول إلى ابنه ثعلبه. ثم إلى عمرو بن ثعلبه، فهو فيهم إلى اليوم.
وقال الحسن بن احمد بن يعقوب الهمداني في تفرق قضاعة: إن عامرا ماء السماء بن حارثة، جرد وندب إلى الشام، بأمر الملك الملطاط بن عمرو، أحياء قضاعة، وولى عليهم زيد بن ليث بن سود، فلما صارو بالحجاز يريدون الشام، أختلفوا على أميرهم زيد بن ليث، فافترقوا عنه، فمنهم من رجع إلى اليمن، ونسلهم إلى اليوم، وهم خولان ومهرة ومجيد، ومنهم من نزل الحجاز، ونسلهم بها إلى اليوم، وهم بلى وبهراء ابنا عمرو، وأقام زيد ايضا بالحجاز، فافترق بها نسله: من سعد وعذره، وجهينة، ونهد. فأما نهد فارتفعت إلى نجد العليا، وقد كانت دهرا بتهامة، وأما من مضى من قضاعة إلى الشام ومصر والبحرين، فنسله بها إلى اليوم، وهم كلب بن وبرة، وتنوخ، وسليح، وخشين، والقين.
تفرق سائر ولد معد

(1/15)

قالوا: وأقام ولد معد بن عدنان ومن كان معهم من أولاد أدد أبي عدنان أبن أدد، بعد خروج قضاعة من تهامة، في بلادهم وديارهم وأقسامهم، التي صارت لهم، ما شاء الله ان يقيموا.
ثم قاتلت مضر وربيعة ابنا نزار، ولد قنص بن معد، فأخرجوهم من مساكنهم ومراعيهم، وغلبوهم على ما كان بأيديهم، فانحاز ولد سنام بن معد إلى ما يلهيهم من البلاد، وتفرقت طوائف من أولاد قنص بن معد في العرب وبلادها، وظعن أكثرهم مع الحيقار بن الحيق، أحد بني عمم بن قنص بن معد، في آثار مالك بن زهير بن عمرو بن فهم، ومن كان معه من قضاعة، حتى قدموا عليهم البحرين، فأقاموا بها معهم، وتنخوا بها مع جماعتهم، ثم ظعنوا منها إلى السواد: سواد العراق، يطلبون الريف والمتسع والمعاش، فوجدوا النبط الارمانيين، وهم من ملوك الطوائف، فأجمع الارمانيون والاردوانيون على تلك القبائل من ولد معد، فقتلوهم ودفعوهم عن بلادهم، فارتفعوا عن سواد العراق، فصاروا أشلاء، فهم أشلاء، فهم أشلاء قنص بن معد. وأقام طائفة منهم بناحية الانبار والحيرة، وسكنوهما، ومنهم كان ملوك آل نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن شعوذ بن مالك بن عمم بن قنص بن معد. بن عمرو أمرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة، ملك العرب بالعراق.
قال هشام: هو عمم بن نماره بن لخم، وهو الحق. وقال الكلبي: لو كان كما يقولون لقالته العرب في أشعارها، وهجوا به النعمان وهو يسومهم العذاب، وما وجدوا فيه أبنة إلا الصائغ، فسبوه به.
تداخل بعض القبائل في بعض
قال: فلما رأت القبائل ما وقع من الاختلاف والفرقة، وتنافس الناس في الماء والكلأ، والتماسهم المعاش في المتسع، وغلبة بعضهم بعضا على البلاد والمعاش، واستضاف القوى الضعيف، انضم الذليل منهم إلى العزيز، وحالف القليل منهم الكثير، وتباين القوم في ديارهم ومحالهم، وانتشروا كل قوم فيما يليهم.
فتيامنت عك بن الديث بن عدنان بن أدد، فيمن كان معهم ولحق بهم، إلى غور تهامة اليمن، فنزلوا فيما بين جبال السروات وما يليها من جبال اليمن، إلى أسياف البحر، في الكلأ والماء والمزدرع والمتسع، وصاروا فيما هنالك بين البحر والجبل، متنكبين لمناقب العرب في سراياهم، معتزلين لحربهم وتغاورهم. والاشعرون متيامنون، ينتسبون إلى أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، مقيمون على ذلك. وعك أكثرهم على نسبهم إلى عدنان، وطائفة منهم متيامنة إلى قحطان.
قال ابن الكلبي: حدثني غياث بن إبراهيم، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأشعريين حين قدموا عليه: " انتم مهاجرة اليمن من ولد اسماعيل " . وقال العباس بن مرداس وهو يفاخر عمرو بن معد يكرب بقبائل معد، ويعتزى إليهم:
وعك بن عدنان الذين تقلبوا ... بغسان حتى طردوا كل مطرود
وقال شاعر عك يفخر بنسبه إلى عدنان:
وعك بن عدنان أبونا، ومن يكن ... أباة أبونا يغلب الناس سوددا
قال هشام: إنما تنسب عك إلى عدنان بن أدد لاسم عدنان، وليس هو كما ذكروا.
وتييامنت شقرة وشقحب بنو نبت بن أدد وقبائل من أولاد عدنان، إلى بلاد اليمن وتهامة، ولحقوا بأهلها، فصاروا في قبائلها وعمائرها، وأقاموا معهم، وأنتسبوا إليهم، فدخلت شقحب في أحاظة، من ذي الكلاع من حمير، وفيهم تقول العرب: والله لكأنما تراني رجلا من أحاظة، مثلا تضربة في تباعد الرحم. ولحقت شقرة بمهرة بن حيدان من قضاعة. وتيامنت بن نبت ابن أدد إليهم.
قال هشام: وكل هؤلاء دخلاء فيمن سمينا، حلفاء لا ينسبون فيهم. وتيامنت قبائل من أولاد معد بن عدنان، وتفرقوا في بلاد العرب، ولحقوا بأهلها، فيقال والله أعلم: ان مهرة بن حيدان بن معد.
قال: وصار بنو مجيد ين حيدة ين معد في الأشعريين قبيلة من قبائلهم، يقولون: مجيد بن الحنيك بن الجماهر بن الأشعر ولهم يقول الشاعر:
أحب الأشعريين لحب ليلى ... وأكرمهم على بنو مجيد
وقال آخرون: هم في عك بن الديث، وهم فيهم بنو عمرو بن الحياد.
ولحق بهم جنيد بن معد، فهم في عك.
وصار بنو عبيد الرماح بن معد في بني مالك بن كنانة بن خزيمة، وهم رهط أبراهيم بن عربي بن منكث، عامل عبد الملك بن مروان على اليمامة، من بني عبيد الرماح، فيما يزعمون.

(1/16)

وصار عوف بن معد في عضل بن محلم بن حلمة بن الهون بن خزيمة بن مدركة قال هشام: لا اعرف لعوف ولدا.
ودخلت جنادة بن معد وقناصة بن معد في السكون، فهم ، فيما يقال، تجيب وتراغم ابنا معاوية بن ثعلبة بن عقبة بن السكون.
قال هشام: أنا أنكر هذا القول في جنادة وفي تجيب.
ويقال: السكون والسكاسك ابنا أشرس بن ثور بن حيادة بن معد. ومن هنالك قيل في كندة ما قيل.
قال هشام: أنا أنكر هذا.
يقال: كندة بن عفير بن يعفر بن حيادة بن معد، قال امرؤ القيس بن حجر في قتل أبيه حجر:
والله لا يذهب شيخي باطلا ... خير معد حسبا ونائلا.
قال هشام: إمنا قال: " يا خير ناش في معد نائلا " قال: ولحقت شقيص، من قناصة بن معد، ثم من تراغم، بكلب، فهم في بني عامر الأجدر على نسبهم. ويقال إن شقيصا هو الحارث بن سيار بن شجاع بن عوف بن تراغم.
قال هشام: هكذا نسبة، وليس شقيص من قناصة بن معد.
وقال رجل من بني الماروت بن معد - قال هشام: إنما الماروت من " تراغم " ، ومن قال " تراغب " فهو خطأ،
وبنو الماروت حلفاء في بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان حين فارقهم إخوتهم بنو شقيص بن قناصة، فدخلوا في كلب، وهو يذكر تراغم وتجيب وشقيصا، واغترابهم عن أصلهم، فقال الماروتي:
لقد نزحت شقيص عن أبيها ... قناصة مثلما نزحت تجيب
وكانوا ينسبون إلى معد ... فساقتها الزلازل والحروب
وحي من تراغم قد أشتت ... بهم عنا نوى عنا ذهوب
وقال هشام: تجيب بنت السكون، وقولهم هذا في تجيب باطل..
وصار أود بن معد في مذحج، فانتسبوا إلى صعب بن سعد العشيرة، وقالوا: أود بن صعب، وثبتوا معهم، وفيهم يقول الشاعر، كما زعم الشرقي ابن القطامي:
ومن كان يدعو من معد نصيرة ... فما الاود من إخوانها بقريب
نأت دارهم حيث استقر محلهم ... بصعب بن سعد والغريب غريب
وكم دونهم من شقة وتنوفة ... أما ليس قفر ما بهن عريب
فرناس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-24-2020, 07:01 AM   #3
فرناس
باحث
 
تاريخ التسجيل: May 2014
المشاركات: 1,028
افتراضي


وقال البجلي في تفرق بجيلة حين وقعت بينهم حرب الحدادة:
لقد فرقتم في كل أوب ... كتفريق الإله بني معد
تفرق بجيلة وخثعم
قال: وكان جابر بن جشعم بن معد، ومضر وربيعة وإياد وأنمار، بنو نزار بن معد بن عدنان، بمنازلهم من تهامة وما يليها من ظواهر نجد، فأقاموا بها ما شاء الله أن يقيموا، ثم أجلت بجيلة وخثعم ابنا أنمار بن نزار بلادهم.
قال هشام: حدثني الكلبي، عن معاوية بن عميرة بن مخوس بن معد يكرب، عن ابن عباس، قال فقأ أنمار بن نزار بن معد بن عدنان، عين أخيه مضر بن نزار، ثم هرب، فصار حيث تعلم، أي انتسب في اليمن.
قال: فظعنت بجيلة وخثعم ابنا أنمار إلى جبال السروات، فنزلوها، وانتسبوا فيهم، فنزلت قسر بن عبقر بن أنمار حقال حلية وأسالم وما صاقبها من البلاد، وأهلها يومئذ حي من العاربة الأولى، يقال لهم بنو ثابر، فأجلوهم عنها، وحلوا مساكنهم منها، ثم قاتلوهم ، فغلبوهم على السراة، ونفوهم عنها. ثم قاتلوا بعد ذلك خثعم ايضا، فنفوهم عن بلادهم، فقال سويد ابن جدعة أحد بني أفضى بن نذير بن قسر، وهو يذكر ثابرا وإخراجهم إياهم من مساكنهم، ويفتخر بذلك وبإجلائهم خشعم:
ونحن أزحنا ثابرا عن بلادهم ... وحلى ابحنا فنحن أسودها
إذا سنة طالت وطال طولها ... وأقحط عنها القطر وأسود عودها
وجدنا سراة لا يحول ضيفنا ... إذا خطة تعيا بقوم نكيدها
ونحن نفينا خثعما عن بلادها ... تقتل حتى عاد مولى شريدها
فريقين: فرق باليمامة منهم ... وفرق بخيف الخيل تترى خدودها
وقال عمرو بن الخثارم وهو يذكر نفيهم إياهم عن السراة، وقتالهم إياهم عنها:
نفينا كأننا ليث دارة جلجل ... مدل على أشباله يتهمهم
فما شعروا بالجمع حتى تبينوا ... بنية ذات النخل ما يتصرم
شددنا عليهم والسيوف كأنها ... بأيماننا غمامة تتبسم
وقاموا لنا دون النساء كأنهم ... مصاعيب زهر جللت لم تخطم
ولم ينج إلا كل صعل هزلج ... يخفف من اطماره فهو محرم

(1/17)

ونلوى بأنمار ويدعون ثابرا ... على ذي القنا ونحن والله أظلم
حبيبة قسرية أخمسية ... إذا بلغو فرع المكارم تمموا
منحنا حقلا آخر الدهر قومنا ... بجيلة كي يرعوا هنيئا وينعموا
فصارت السراة لبجيلة، إلى أعلى التربة، وهو واد يأخذ من السراة، ويفرع في نجران، فكانت دارهم جامعة، وأيديهم واحدة، حتى وقعت حرب بين أحمس بن الغوث بن أنمار، وزيد بن الغوث بن أنمار، فقتلت زيد أحمس، حتى لم يبق منهم إلا أربعون غلاما، فاحتملهم عوف بن أسلم ابن أحمس، حتى أتى بني الحارث بن كعب، فنزلوا بهم، وجاوروهم، وعوف يومئذ شيخ، فلم يزالوا في ديار بني الحارث حتى تلاقوا وقووا، فأغاروا ببني الحارث على بني زيد، فقتلوهم ونفوهم عن ديارهم، إلا بقية منهم، ورجعت أحمس إلى ديارهم. فلم تزل قسر في دارها، مقيمة في محالها، يغزون من يليهم، ويدفعون عن بلادهم ، مجتمعة كلمتهم على عدوهم، حتى مرت بهم حدأة، فقال رجل من عرينة بن نذير بن قسر بن عبقر: أنا لهذه الحدأة جار، فعرفت بالعرنى، ونسبت إليه، فلبثت حينا، ثم إنها وجدت ميته، وفيها سهم رجل من بني أفصى بن نذير بن قسر، فطلب عرينة صاحب السهم، فقتلوه ثم إن أفصى جمعت لعرينة، فالتقوا، فظهرت عليهم عرينة، فقتلوهم إلا بقية منهم، فلم يزالوا قليلا حتى ظهر الاسلام ، وأجتمعت قبائل قسر، فأخرجوا عرينة عن ديارهم، ونفوهم عنها، فقال عوف بن مالك بن ذبيان وبلغة أمرهم:
وحدثت قومي أحدث الدهر بينهم ... وعهدهم بالنائبات قريب
فأن يك حقا ما أتاني فإنهم ... كرام إذا ما النائبات تنوب
فقيرهم مدنى الغنى وغنيهم ... له ورق للمتعفيين رطيب
ونبئت قومي يفرحون بهلكهم ... سيأتيهم ملمنديات نصيب
فتفرقت بطون بجيلة عن الحروب التي كانت بينهم، فصاروا متقطعين في قبائل العرب، مجاورين لهم في بلادهم، فلحق عظم عرينة بن قسر، ببني جعفر ابن كلاب بن ربيعة، وعمرو بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. ولحقت قبيلتان من عرينة: غائم ومنقذ ابنا مالك بن هوزان بن عرينة، بكلب بن وبرة، وأنضمت موهبة بن الربعة بن هوزان بن عرينة، إلى بني سليم بن منصور. ودخلت ابيات من غرينة في بني سعد بن زيد مناة بن تميم. وصارت بطون سحمة بن سعد بن عبد الله بن قداد بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن الغوث بن أنمار، ونصيب بن عبد الله قداد، في بني عامر بن صعصعة.
وكانت بنو أبي مالك بن سحمة وبنو سعد بن عبد الله بن قداد، في بني الوحيد بن كلاب وعمرو بن كلاب. وكان بنو أبي أسامة بن سحمة في بني أبي عمرو بن كلاب ومعاوية الضباب. وكانت عادية بنت عامر بن قداد بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن الغوث بن أنمار، في بني صعصعة. وكانت بنو فتيان بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن الغوث بن أنمار، في بني الحارث بن بن كعب. ولحقت جشم بن عامر بن قداد ببني الحارث بن كعب أيضا. وكانت قيس كبه - وكبه فرس له - بن الغوث ابن أنمار في بني جعفر بن كلاب. وصارت بنو منبه بن رهم بن معاوية بن اسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار، في بني سدوس بن شيبان بن ثعلبة بالبحرين، وابيات من العتيك بن الربعة بن مالك بن سعد مناة بن نذير بن قسر، وبعمان منهم أناس، وعظمهم بنجران ، مجاورين لبني الحارث بن كعب، وفي البادية فيما بين اليمامة والبحرين بطن من بني سحمة، يقال لهم الجلاعم، رهط قيس القتال الشاعر، ومعهم أهل أبيات من قيس، ومنهم الذي يقول:
ألا ابلغا أبناء سحمة كلها ... بني جلعم منهم، وذلا لجلعم
فلا انتم مني ولا أنا منكم ... فراش حريق العرفج المتضرم
ولحقت طائفة من بني محلم بن الحارث بن ثعلبة بن سحمة، ببني محلم بن ذهل بن شيبان، وأقامت طائفة منهم في بجيلة، فقال رجل منهم في ذلك:
لقد قسمونا قسمين فبعضنا ... بجيلة والاخرى لبكر بن وائل
فقد مت غما لا هناك ولا هنا ... كما مات سقط بين ايدي القوامل
وقال البجلي لقومة حين تفرقوا بالعرب:
لقد فرقتم في كل أوب ... كتفريق الإله بني معد
وكنتم حول مروان حلولا ... أ كاس أهل مأثرة ومجد

(1/18)

ففرق بينكم يوم عبوس ... من الايام نحس غير سعد
فكانت قبائل بجيلة في قبائل بني عامر بن صعصعة، وكانوا معهم يوم جبلة، فتزعم بجيلة ان مغراء العرني - وهو عرينة بن نذير بن قسرين بن عبقر، وهو بجيلة بن أنمار - قتل لقيط بن زرارة يوم جبلة، وقال شاعرهم:
ومنا الذي أردى لقيطا برمحه ... غداة الصفا وهو الكمي المقنع
بجياشة كبت لقيطا لوجهه ... وأقبل منها عاند يتدفع
فكانت عادية بن عا مر بن قداد من بجيلة في بني عامر بن صعصعة، وكانت سحمة بن معاوية بن زيد في بني أبي بكر بن كلاب، ومنهم نفر مع عكل.
قال فلم يزالوا على ذلك حتى أظهر الله الاسلام، فسأل جرير بن عبد الله أبن جابر بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن جشم بن عوفيف بن حزيمة بن حرب بن علي بن مالك بن سعد بن مناة بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار، عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لما أراد أن يوجهه لحرب الاعاجم، أن يجمعهم له، ويخرجهم من تلك القبائل، ففعل له ذلك، وكتب فيه إلى عماله.
وأقامت خثعم بن أنمار في منازلهم من جبال السراة وما والاها: جبل يقال له شئ، وجبل يقال له بارق، وجبال معهما، حتى مرت بهم الازد في مسيرها من أرض سبأ، وتفرقها في البلاد، فقاتلوا خثعما، فأنزولوهم من جبالهم وأجلوهم عن منازلهم، ونزلتها أزد شنوءة: غامد وبارق ودوس، وتلك القبائل من الازد، فظهر الإسلام وهم أهلها وسكانها.
ونزلت خثعم ما بين بيشة وتربة، وما صاقب تلك البلاد وما والاها، فأنتشر فيها إلى أن أظهر الله الاسلام وأهله، فتيامنت بجيلة وخثعم، فأنتسبوا إلى أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، وقالوا: نحن أولاد قحطان، ولسنا إلى معد بن عدنان.
وتيامنت النخع، وهو جسر بن عمرو بن الطمثان بن عوذ مناة بن يقدم أبن أفصى بن دعمي بن إياد بن نزار، فنزلت ناحية بيشة وما والاها من البلاد، وأقاموا بها، فصاروا مع مذحج في ديارهم، وانتسبوا إليهم، فقالوا: النخع بن عمرو بن عله بن جلد بن مالك بن أدد بن زيد، وثبتوا على ذلك، إلا طائفة منهم، فإنهم يقرون بنسبهم، ويعرفون أصلهم، فقال لقيط بن يعمر الايادي وهو يحضض إياد على كسرى، ويعيرهم صنيعهم:
ولا يدع بعضكم بعضا لنائبة ... كما تر كنتم بأعلى بيشة النخعا
قال هشام: وقد روينا في النخع وثقيف، وفي نزولهما منازلهما بأبدانهما، حديثا آخر.
قال هشام: أم النخع بن عمرو: بنت عمرو بن الطمثان، وهذا خلاف قولهم.
وأم ثقيف: بنت سعد بن هذيل بن مدركة.
قال هشام: حدثني الكلبي عن أبي صالح، قال: ذكر ثقيف والنخع يوما عند ابن عباس، فقال: ان ثقيفا والنخع ابنا خالة، وانهما خرج في نجعة ومعهما غنيمة لهما، فيها شاة، معها جدي لها، فعرض لها مصدق لبعض ملوك اليمن، فأرادهما على أخذ الشاة ذات الجدي، فقالا له: خذ منها ما شئت، فقال: هذه الشاة الحلوب. قالا: انما نعيش ويعيش جديها منها، فخذ غيرها، فأبى. قال: فنظر أحدهما إلى صاحبة، وهما بقتلة، فأشار أحدهما إلى صاحبه أن ارمه، فرماه بسهم، ففلق قلبه، ثم قال أحدهما لصاحبه: والله ما تحملنا أرض واحدة، فإما أن تغرب وأشرق، وإما أن تشرق وأغرب، فقال قسي، وهو ثقيف، فإني أغرب، وقال النخع، وأسمه جسر: فإني أشرق. قال: فمضى النخع حتى نزل بيشة باليمن، فلما كثر ولده تحول إلى الدثينة، فهي منازلهم إلى اليوم، ومضى قسي حتى أتى وادي القرى، فنزل بعجوز يهودية كبيرة، لا ولد لها، فكان يعمل في النهار، ويأوي إليها بالليل، فأتخذها أما، واتخذته، ابنا، فلما حضرتها الوفاة قالت له: لا أحد لي غيرك، وقد أردت أن أكرمك، لالطافك اياي، وانما كنت أعدك ابني، وقد حضرني الموت، فإذا أنت واريتني، فخذ هذا الذهب، وهذه القضبان من العنب، فإذا أنت نزلت واديا تندر على الماء فيه، فإغرسها فيه، فإنك تنتفع بها، وماتت.
قال: فأخذ الذهب والقضبان، ثم أقبل، حتى إذا كان قريبا من وج، وهو الطائف، إذا هو بأمة يقال لها خصيلة.
قال هشام: ويقال زبيبة.

(1/19)

ترعى ثلاث مئة شاة، فأسر في نفسه طمعا فيها ، وفطنت له، فقالت: كأنك أسررت في طمعا: تقتلني وتأخذ الغنم؟ قال إي والله. قالت: والله لو فعلت لذهبت نفسك ومالك، وأخذت الغنم منك. أنا جارية عامر بن الظرب العدواني، سيد قيس وحكمها، وأظنك خائفا طريدا. قال نعم.قالت: فعربي أنت؟ قال: نعم. قالت: فأنا أدلك على خير مما أردت، مولاي إذا طفت بالشمس للإياب يقبل، فيصعد هذا الجبل، ثم يشرف على هذا الوادي لقضاء حاجته، ثم يستنجي بماء من العين، ثم يصعد فيأخذ ثيابه وقوسه، ثم ينصرف، فيخرج رسوله، فينادي: ألا من أراد الدرمك واللحم والتمر واللبن، فليأت دار عامر أبن الظرب. فيأتيه قومه، فأسبقه إلى الصخرة، واكمن له عندها، فإذا وضع ثيابه وقوسه فخذها، فإذا قال لك: من انت؟ فقل: غريب فأنزلني، وطريد فآوني، وعزب فزوجني، فإنه سيفعل. ففعل ذلك قسى، فقال له: من انت؟ فقال: أنا قسي بن منبه، وأنا طريد فآوني، وغريب فأنزلني، وعزب فزوجني. فأنصرف به إلى وج، وخرج مناديه فنادى: ألا من أراد الخمر واللحم والتمر واللبن، فليأت دار عامر بن ظرب. فأقبل كل من كان حوله من قومه، فلما أكلوا وتجمعوا وفرغوا، قال لهم: ألست سيد كم وأبن سيدكم وحكمكم؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تؤمون من أمنت، وتؤوون من آويت، وتزوجون من زوجت؟ قالوا بلى. قال: هذا قسي بن منبه، وقد زوجته ابنتي، وآويته معي في داري، وأمنته. قالوا: نعم، فقد جوزنا ما فعلت. فزوجه ابنته زينب، فولدت له عوفا وجشم ودارسا، وهم في الازد بالسراة وسلامه، انتسبوا في اليمن.
قال هشام: وهم أهل أبيات قليلة في بني نصر بن معاوية.
ثم هلكت زينب، فزوجه ابنة له اخرى، يقال لها آمنه، فولدت له ناصرة بن قسي، والمسك بنت قسي.
قال هشام: وهي أم النمر بن قاسط.
قال: وغرس قسي تلك القضبان بوادي وج، فانبتت، فقالوا: قاتله الله، ما أثقفه! حين ثقف عامر حتى أمنه وزوجته، وانبت تلك القضبان حتى أطعمت، فسمى ثقيفا يومئذ.
قال: فلم تزل ثقيف مع عدوان حتى ربلوا، فأخرجوا عدوان من الطائف. قال هشام: إنما سمي الطائف، فيما أخبرني أبو مسكين المدني، قال: أصاب رجل من الصدف دما في قومه بحضر موت، وكان يقال للصدفي الدمون، وكان قتل ابن عم له، فقال في ذلك:
وحربة ناهل أوجرت عمرا ... فما لي بعده أبدا قرار.
ثم خرج هاربا حتى نزل بوج، فحالف مسعود بن معتب ومعه مال عظيم، فقال لهم: هل لكم ان ابني لكم طوفا عليكم، يكون لكم ردا من العرب؟ قالوا: نعم. فبنى لهم بماله الطوف، فسمي الطائف، لأنه حائط يطيف بهم.
قال: وأجتمعت قبائل من أياد بعد أن فارقتهم النخع، فساروا مشرقين في آثار قضاعة والقنصين، وكان لهم شرف في أهل تهامة، ومنزلة فيهم، وعز ومنعة في ذلك الزمن، تعرفه العرب، وتخلفت عنهم ثقيف، وأقاموا مع أخوالهم عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان، إلى جانب الطائف، وظعنوا عن مساكنهم، ونزلتها كنانة بن خزيمة بن مدركة بعدهم.
والأرض التي كانت فيها حرب إياد وإخوته، حين أجليت إياد من تهامة، يقال لها خانق، وهي لكنانة.
قال أبو المنذر، بإسناده المتقدم عن ابن عباس: أقامت ربيعة ومضر واياد في منازلها وديارها، بعد مسير أنمار بن نزار، وظعنهم عن بلادهم، فربلت إياد وكثرت، حتى إن كان الرجل ليولد له في الليلة العشرة وأكثر من ذلك، ولا يولد لمضر وربيعة في الشهر إلا الولد الواحد ، فكثرت قبائلهم، تلاحقت نابتتهم، وكان فيهم الغمامتان، وهما قبيلتان، والكردوسان من إياد، فبغت على إخوتهم، حتى كان الرجل يضع قوسه على باب المضرى أو الربعى، فيكون أحق بما فيه. فيزعمون - والله أعلم - انهم سمعوا مناديا نفي جوف الليل، على رأس جبل، وهو يقول: " يا معشر إياد، أظعنوا في البلاد، لمضر بأرض سنداد، فليس إلى تهامة من معاد " . ورماهم الله بقرح - وقال ابن شبه: بداء - يقال له النخاع، فكان يموت منهم في اليوم والليلة المئة والمئتان، فقال رجل صالح منهم: يا معشر إياد، انما رماكم الله بما ترون لبغيكم على بني أبيكم، فأشخصوا عن هذه البلاد، فقد أمرتم بذلك، لا يصيبكم الله بعذاب.

(1/20)

قال ابن الكلبي: وحدثني أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن الانصاري، عن أبن جريج، عن عطاء، عن أبن عباس، قال: أخرج الله إياداً من تهامة بالشمال، وبعثه الله على نعمهم الجدب حتى إذا أرمت هبت الشمال، فأستقبلتها النعم، فخرج بها من تهامة. ولذلك يقول أمية بن أبي الصلت:
آباؤنا دمنوا تهامة في الده ... ر وسالت بجيشهم إضم
قومي إياد لو أنهم أمم ... أو لو أقاموا فتجزر النعم
جدي قسى إذا انتسبت ومنص ... ور بحق ويقدم القدم
قوم لهم ساحة العراق إذا ... ساروا جميعا والقط والقلم
ويقال إن إيادا لم تزل مع اخوتها بتهامة وما والاها، حتى أوقعت بينهم حرب، فتظاهرت مضر وربيعة على إياد، فالتقوا بناحية من بلادهم، يقال لها خانق، وهي اليوم من بلاد كنانة بن خزيمة، فهزمت إياد، وظهر عليهم، فخرجوا من تهامة.
وقال الكناني الذي قتله خالد يوم الغميضاء، للجارية التي كان يتعشقها
أ رايتك إن طالبتكم فوجدتكم ... بحلية يوما أو باحدى الخوانق
ألم يك حقا أن ينول عاشق ... يكلف إدلاج السرى والودائق
فقال أحد بني خصفة بن قيس بن عيلان في ذلك:
إيادا يوم خانق قد وطئنا ... بخيل مضمرات قد برينا
تعادى بالفوارس كل يوم ... غضاب الحرب تحمي المحجرينا
فأبنا بالنهاب وباسبايا ... وأضحوا في الديار مجدلينا
فظعنت إياداً من منازلها، ونزلوا سنداد، بناحية سواد الكوفة، فأقاموا بها دهرا. وقال ابن شبه: افترقت ثلاث فرق: فرقة مع أسد بن خزيمة بذى طوى، وفرقة لحقت بعين أباغ، واقبل الجمهور حتى نزلوا بناحية سنداد. ثم اتفقوا، فكانوا يعبدون ذا الكعبات: بيتا بسنداد - وعبدتها بكر بن وائل بعدهم - فأنتشروا فيما بين سنداد وكاظمة، والى بارق والخورنق وما يليها، وأستطالوا على الفرات حتى خالطوا أرض الجزيرة، فكان لهم موضع دير الاعور ودير الجماجم ودير قرة، وكثر من بعين أباغ منهم، حتى صاروا كالليل كثرة، وبقيت هنالك تغير على من يليها من أهل البوادي، وتغزوا مع ملوك آل نصر المغازي، حتى أصابو امرأة من أشراف الاعاجم، كانت عروسا قد أهديت إلى زوجها، وولى ذلك منها بعض سفهائهم وأحداثهم، فسار إليهم من كان يليهم من الاعاجم، قيل هو أنو شروان بن قباذ، وقيل كسرى بن هرمز، وأسم المرأة سيرين. فانحازت إياد إلى الفرات، وجعلوا يعبرون أبلهم في القراقير، ويجوزون الفرات، وراجزهم يرتجز ويقول:
بئس مناخ الخلفات الدهم ... في دفعة القرقور وسط اليم.
فتبعهم الأعاجم، فقالت كاهنة كانت في إياد: " إن يقتلوا رجلا سلما، ويأخذون نعما ، يضرجوا آخر اليوم دما " . فقال رجل منهم لابن له يقال له ثواب: أي بني، هل لك أن تهب لقومك نفسك؟ فخرج بأبله يعارضهم، فقتلوه وأخذوا ابله، ورأس القوم يومئذ بياضة بن رياح بن طارق الإيادي، فلما التقى الناس قالت هند بنت بياضه:
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
والمسك في المفارق ... مشى القطا النواتق
إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق
فهزمت إياد الأعاجم آخر النهار، وذلك بشاطئ الفرات العربي، وقتلت ذلك الجيش، فلم يفلت منهم إلا الشريد، وجمعوا جماجم ن فجعلوها كالكوم، فسمى ذلك الموضع دير الجماجم.

(1/21)

ومن رواية أبي علي القالي عن رجاله، قالوا: كانت إياد لما نزلوا العراق تغزو أهله ومن ناوأهم ، حتى ملك كسرى أنوشروان، فأغارت إياد على نساء من نساء فارس، فأخذوهن، فغزاهم أنوشروان، فقتل منهم ، ونفاهم عن أرض العراق، فنزل بعضهم تكريت، وبعضهم الجزيرة وأرض الموصل كلها، فبعث أنوشروان ناسا من بكر بن وائل مع الفرس، فنفوهم عن تكريت والموصل، إلى قرية يقال لها الحرجية، بينها وبين الحصين فرسخان أو ثلاثة، فالتقوا بها، فهزمتهم الفرس، وقتلتهم، وقبور إياد به إلى اليوم، فساروا حتى نزلوا بقرى من أرض الروم، وسار بعضهم إلى حمص وأطراف الشام. وكان الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، فيمن سار إليهم من بكر بن وائل مع الأعاجم، فأجار ناسا من إياد، وكان أبو داود الإيادي فيمن أجار وأكرم، فضربت العرب المثل به، فقالوا: " جار كجار أبي داود " يعنون الحارث بن همام.
وقال: هشام: حدثني أبو زهير بن عبد الرحمن بن مغراء الدوسي، عن رجل منهم كان عالما، قال: كان عند كسرى بن هرمز رهن من أياد وغير إياد من العرب، وكان كسرى يضع الدرية لاساورته، فيرمونها، فيوالون فيها بالنشاب، فقال رجل من الرهن الذين من أياد: لو أنزلني الملك رميت مثل رميهم. فأخبر بذلك كسرى، فأمر به فأنزل، فرمى، فأجاد الرمي. فقال له: أفي قومك من يرمي رميك؟ قال: كلهم يرمي رميي. قال: فأتن منهم بثلاث مئة رجل أو أربع مئة، يرمون مثل رميك، فجاءه بهم، فكانوا يكونون عنده، وجعلهم مرصادا على الطريق، فيما بينه وبين الفرات، لئلا يعبره أحد عليهم. قال: وكان ما بين المدان إلى نهر الملك، مرج واحد من البساتين، لا حائط له. قال: فخرجت سيرين ومعها جواريها، وأصلها رومي، فعرض لها رجل من الاياديين، يقال له الأحمر، وكان معه صاحب له، فعبثا بهن، قال: فجعلتهما العرب الأحمرين، قال راجزهم:
الأحمران أهلكا إياداً ... وحرما قومهما السوادا
قال: فشكوا ذلك إلى كسرى، فبعث إليهم عدتهم من الفرس، وهرب الأحمران، فأنذرا أصحابهما،فلحقهم الفرس وقد عبروا دجلة، وقد كان قال لهم كسرى: خذوهم أخذا. قال: فلحقوهم، فجثا الإياديون على الركب، فرموا رشقا واحدا، فأعموهم جميعا، فأخبر كسرى بذلك، فبعث إليهم الخيل، وأمر لقيط بن يعمر بن خارجة بن عوبثان الإيادي، وكان محبوسا عند كسرى، أن يكتب إلى من كان من شداد قومه، فيما بينه وبين الجزيرة، أن يقبلوا إلى قومهم، فيجتمعوا، ليغيروا على أياد كلهم، فيقتلهم. قال: فيكتب لقيط إلى قومه ينذرهم كسرى، ويحذرهم إياه:
سلام في الصحيفة من لقيط ... على من بالجزيرة من أياد
بأن الليث يأتيكم دليفا ... فلا يشغلكم سوق النقاد.
ويروي: بأن الليث كسرى قد أتاكم.
وكتب إليهم أيضا بقصيدة أولها:
يا دار، عبلة من محتلها الجرعا ... هاجت لي الهم والأحزان والوجعا
ويروى: قد هجت لي الهم والأحزان والوجعا.
يقول فيها: أبلغ إيادا وخلل في سراتهم إني أرى الرأي إن لم أعص قد نصعا
يا لهف نفسي إذا كانت أموركم ... شتى وأحكم أمر الناس فاجتمعا
ألا تخافون تآيوكم على حنق ... لا يشعرون أضر الله أم نفعا
في كل يوم يسنون الحراب لكم ... لا يهجعون إذا ما غافل هجعا
مالي أراكم نياما في بلهنية ... وقد ترون شهاب الحرب قد سطعا
يا قوم بيضتكم لا تفجعن بها ... إني أخاف عليها الازلم الجدعا
يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيرا ... على نسائكم كسرى وما جمعا
هو الفناء الذي يجتث أصلكم ... فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا
وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا ترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا
ماأنفك يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متبعا طورا ومتبعا
حتى استمرت على شزر مريرته ... مستحكم السن لا قحما ولا ضرعا
لا يطعم النوم إلا ريث ينبعه ... هم يكاد شباه يفصم الضلعا

(1/22)

مستنجدا يتحدى الناس كلهم ... لو صارعوه جميعا في الوغى صرعا
لقد نخلت لكم رأي بلا دخل ... فأستيقضوا إن خير العلم ما نفعا
قال: فلما أتاهم الكتاب هربوا، وأمر كسرى الخيل، فأحدقت بهم، وبالذين بقوا من خلف الفرات، ثم وضعوا السيوف.
قال هشام: قال الكلبي: فمن غرق منهم بالماء أكثر ممن قتل بالسيف. ولما بلغ كسرى شعر لقيط قتله، وكان كاتبه بالعربية وترجمانه، وكان مقروفا بامرأة كسرى.
ودانت إياد لغسان، وتنصروا، ولحق أكثرهم بلاد الروم، فيمن دخلها مع جبلة بن الأيهم، من غسان وقضاعة وغيرهم، وبقايا من بقاياهم متفرقون في أجناد الشام ومدائنها، وكان من دخل مع جبلة بن الأيهم من إياد وقضاعة وغسان ولخم وجذام نحو أربعين الفا، وهم معهم إلى اليوم، ومدينتهم تعرف بمدينة العرب، وليس لمن كان منهم اليوم بالشام دعوة ولا قبيل ينسبون إليه. قال هشام: حدثني الكلبي، عن علي بن وثاب الايادي، عن ابيه: أن إياد حين دخلوا الروم لم يزالوا بها إلى الإسلام، فلما كان زمن عمرو بن الخطاب، بعث رسلا من عنده معهم المصاحف، إلى ملك الروم: أن اعرض هذه المصاحف على من قبلك من قومنا من العرب، فمن أسلم منهم فلا تحولن بينه وبين الخروج ألينا، فوالله لئن لم تفعل لأتبعن كل من كان على دينك في جميع بلادنا، فلأقتلنه.
قال: فلما قدمت المصاحف عليه عورضت بالإنجيل، فوجدوا القرآن يوافق الإنجيل، فأسلموا، ونادى مناد بالصلاة. قال لابن وثاب عن ابيه: فجعلت انظر إلى الصفوف، ما أرى أطرافها من كثرتها. قال: فلما كان عند الخروج، لم يخرج منهم إلا أربعة آلاف، منهم أبي.
وقال ثعلبة بن غيلان يذكر خروج إياد م تهامة:
تحن إلى أرض المغمس ناقتي ... ومن دونها ظهر الجريب فراكس
بها قطعت عنا الوذيم نساؤنا ... وخرست الأبناء فيها الخوارس
إذا شئت غناي الحمام بأيكة ... وليس سواء صوتها والعرانس
تجوب بنا الموماة كل شملة ... إذا أعرضت منها القفار البسابس
فيا حبذا أعلام بيشة واللوى ... ويا حبذا أخشافها والجوارس
أقامت بها جسر بني عمرو وأصبحت ... إياد بها قد ذل منها المعاطس
تبدل دعمي بدعوى أخيهم ... سباسب آل تجتويها الفوارس
جسر بن عمرو النخعي، ودعمي بن زياد .
فلم يبقى بتهامة وغورها من ولد عدنان إلا مضر وربيعة ومن كان معهم أو دخيلا فيهم أو مجاورا لهم. قال ابن شبه: وإلا قسي بن منبه بن النبيت ابن منصور بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن إياد، فإنه أقام بالطائف في نفر من أصهاره عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان، لانه أم بنيه: زينب بنت عامر ابن الظرب العدواني، على ما تقدم ذكره. وكان قسي وهو ثقيف قد تمرد على قومه، وتفتك على من قاربهم وجاورهم من غيرهم، ونابذوه، فأنحاز عنهم.

فرناس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-24-2020, 07:01 AM   #4
فرناس
باحث
 
تاريخ التسجيل: May 2014
المشاركات: 1,028
افتراضي

ونزلت عامر بن صعصعة - وأمه عمرة بنت عامر بن الظرب - ناحية من الطائف، مجاورين لعدوان أصهارهم أيضا، فنزلوا حولهم ، وكانوا بذلك زمانا، ووقعت بين عدوان حرب، فتفرقت جماعتهم، وتشتت أمرهم، فطمعت فيهم بنو عامر، وأخرجتهم من الطائف، ونفوهم عنها، وفي ذلك يقول حرثان ن محرث ذو الاصبع العدواني:
بغى بعضهم بعضا ... فلم يرعوا على بعض
وهم بووا ثقيفا دا ... ر لا ذل ولا خفض
قال: فكانت بنو عامر يتصيفون الطائف لطيبها وثمارها، ويتشتون بلادهم من أرض نجد، لسعتها وكثرة مراعيها وإمراء كلئها، ويختارونها على الطائف.
وعرفت ثقيف فضل الطائف، فقالوا لبني عامر: إن هذه بلاد غرس وزرع، وقد رأيناكم اخترتم المراعي عليها، فأضرتم بعمارتها واعتمالها، ونحن أبصر بعملها منكم، فهل لكم أن تجمعوا الزرع والضرع، وتدفعوا بلادكم هذه الينا، فنثيرها حرثا، ونغرسها أعنابا وثمارا وأشجارا، ونكظمها كظائم، ونحفرها أطواء، ونملأها عمارة وجنانا، بفراغنا لها، وإقبالنا عليها، وشغلكم عنها، واختياركم غيرها، فإذا بلغت الزروع، وأدركت الثمار، شاطرناكم، فكان لكم النصف بحقكم في البلاد، ولنا النصف بعملنا فيها، فكنتم بين وزرع، لم يجتمع لأحد من العرب مثله.

(1/23)

فدفعت بنو عامر الطائف إلى ثقيف، بذلك الشرط، فأحسنت ثقيف عمارتها، فكانت بنو عامر تجئ ايام الصرام، فتأخذ نصف الثمار كلها كيلا، وتأخذ ثقيف النصف الثاني، وكانت عامر وثقيف تمنع الطائف ممن أرادهم.
فلبثوا بذلك زمانا من دهرهم، حتى كثرت ثقيف، فحصنوا الطائف، فلما قووا بكثرتهم وحصونهم، امتنعوا من بني عامر، فقاتلهم بنو عامر، فلم تصل إليهم، ولم يقدروا عليهم، ولم تنزل العرب مثلها دارا.
فقال الاجش بن مرداس بن عمرو بن عامر بن سيار بن مالك بن حطيط ابن جشم بن قسى يذكر الطائف:
فقد جربنا قبل عمرو بن عامر ... فأخبرها ذو رأيها وحليمها
وقد علمت إن قالت الحق أننا ... إذا ما انثنت صعر الخدود نقيمها
نقر بها حتى يلين شريسها ... ويرجع للحق المبين ظلومها
علينا دلاص من تراث محرق ... كلون السماء زينتها نجومها
وقال كنانة بن عبد يا ليل بن عمرو بن عمير بن عوف بن غيرة بن عوف ابن قيسي، يفخر بالطائف ويذكر فضلها:
كأن الله لم يؤثر علينا ... غداة تجزأ الأرض اقتساما
عرفنا سهمنا في الكف يهوى ... لدى وج وقد قسم السهاما
فلما أن أبان لنا اصطفينا ... سنام الأرض إن لها سناما
اسافلها منازل كل حي ... وأعلاها لنا بلدا حراما
ثم انتسبوا بعد، فقالوا: قسى بن منبه بن بكر بن هوزان بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان. وثبت كائفة منهم على نسبهم إلى إياد. قال امية بن أبي الصليت:
فأما تسألي يا بثن عني ... وعن نسبي أخبرك اليقينا
فإنا للنبيت بني قسى ... لمنصور بن يقدم اقدمينا
لأفصي عصمة الهلاك أفصى ... على أفصى بن دعمي بنينا
ودعمي به يكنى إياد ... إليه تنسبي كي تعلمينا
وقال مالك بن عوف النصري:
ألا بلغ ثقيفا حيث كانت ... بأن ما حييت لكم معادي
فإني لست منك ولست مني ... فحلى في أحاظة أو إيادا
فأجابه مسعود بن معتب:
لا قيسكم منا ولا نحن منكم ... ولكننا أولاد نبت بن يقدما
وإن أدع يوما في احاظة تأتني ... كتائب خرس لا أخاف التهضما
وقال غيلان ين سلمة بن معتب:
إني امرؤ من إياد غير مؤتشب ... وارى الزناد وقلل قيس عيلان
وهم والدي واليهم انتمي صعدا ... والحي قيس هم صهري وجيراني
فلم يبق بتهامة وغورها من ولد عدنان إلا ربيعة ومضر، ومن كان معهم أو دخيلا فيهم أو مجاورا لهم. قال ابن شبه: وإلا قسى بن منبه بن النبيت ابن منصور بن يقدم بن أفصى بن دعمى بن أياد، فانه أقام بالطائف في نفر من اصهاره ، عدوان بن قيس بن عيلان، على ما تقدم إيراده ، فكثروا وتضايقوا في منازلهم، فأنتشرت ربيعة فيما يليهم من بلاد نجد وتامة، فكانت بقرن المنازل وحضن وعكابة ور كبة وحنين وغمرة أوطاس وذات عرق والعقيق وما والاها من نجد، معهم كندة، يغزون معهم المغازي، ويصيبون الغنائم، ويتناولون أطراف الشام وناحية اليمن ويتعدون في نجعهم. ثم ان بني عامر بن الحارث بن أنمار بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، أصابت عامرا الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط، وكان عامر منزل ربيعة في انتجاعهم، وصاحب مرباعهم، فقتلوه بغير دم أصابه، فقالت النمر وأولاد قاسط - وفيهم كان البيت يومئذ - لعبد القيس: ياإخوتنا، قتلتم صاحبنا وانتهكتم حرمتنا، فإما أنصفتمونا وأعطيتمونا بطائلتنا، أو ناجزناكم فمشت السفراء بينهم، فأصطلحوا على أن تحتمل عبد القيس دية الرئيس، وهي عشر ديات، فصار من ذلك على بني عامر خمس مئة بعير، وعلى بقية عبد القيس خمس مئة، وأعطوهم رهنا بالدية، خمسة نفر من بني عامر، وأربعة من أبناء عبد القيس، فأدت بنو عامر الخمس مئة، وافتكوا رهنهم، وتراخى سائر ولد عبد القيس في افتكاك رهنهم، فعدت عليهم النمر، فقتلتهم، وخلوا سبيل المرأة، فجمعت لهم عبد القيس، ووقالوا لهم: اعتديتم يا قومنا: أخذتم الاموال وقتلتم الانفس.

(1/24)

فهذه أول حرب وقعت بين بني ربيعة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فكان الفناء والهلاك في النمر، وخرجت الرياسة عنهم، فصارت في بني يشكر.
فتفرقت ربيعة في تلك الحرب وتمايزت، فأرتحلت عبد القيس وشن بن أفصى ومن معهم، وبعثوا الرواد مرتادين، فأختاروا البحرين وهجر، وضاموا من بها من أياد والازد، وشدوا خيلهم بكرانيف النخل، فقالت إياد: أترضون أن توثق عبد القيس خيلها بنخلكم؟ فقال قائل: عرف النخل أهله، فذهبت مثلا. وأجلت عبد القيس إياد عن تلك البلاد، فساروا نحو العراق، وتبعتهم شن بن أفصى، وعطفت عليهم أياد، فكاد القوم يتفانون، وبادت قبائل من شن. وكانت أياد يقال لها الطبق، لشدتهم ونجدة كانت فيهم، ولاطباقهم على الناس بعرانهم وشرهم، فقال الشاعر:
لقيت شن إياد بالقنا ... طبقا وافق شن طبقة
وقال كاهن فيهم:
وافق شن طبقة ... وافقه فأعتنقه
وقال عمرو بن أسوى الليثي، من عبد القيس، بعد ذلك بزمان:
ألا ابلغا عمرو بن قيس رسالة ... فلا تجزعن من نائب الدهر وأصبر
شحطا إياداً عن وقاع فقلصت ... وبكرا نفينا عن حياض المشقر
فغلبت عبد القيس على البحرين، وأقتسمواها بينهم. فنزلت جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، الخط وأعائها. ونز لت شن بن أفصى بن عبد القيس طرفها وأدناها إلى العراق. ونزلت نكرة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس وسط القطيف وما حوله.
وقال ابن شبة: نزلت نكرة الشفار والظهران، إلى الرمل وما بين هجر إلى قطر وبينونة، وانما سميت بينونة لانها وسط بين البحرين وعمان، فصارت بينهما.
ونزلت عامر بن الحارث بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، والعمور - وهم بنو الديل بن عمرو، ومحارب بن عمرو، وعجل بن عمرو ابن وديعة بن لكيز بن أفصى، و معهم عميرة بن أسد بن ربيعة حلفاء لهم - الجوف والعيون والاحساء، حذاء طرف الدهناء، وخالطوا أهل هجر في دارهم. ودخلت قبائل من عبد القيس فيهم - وهم بنو زاكية بن وابله بن دهن بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، وعمرو بن وديعة بن لكيز، والعوقة، وعوف بن الديل، وعائش بن الديل بن عمرو بن وديعة، وعمرو بن نكرة بن لكيز بن أفصى - جوف عمان، فصاروا شركاء للازد بها في بلادهم، وهم الاتلاد: أتلاد عمان، ومعهم من الاتلاد من كان بها من بلقين وجرم ونهد وناجية، ومن لحق بهم من بني عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وبني مالك بن سعد، وعوف بن سعد زيد بن مناة بن تميم.
ودخلت قبائل من ربيعة ظواهر بلاد نجد والحجاز وأطراف تهامة وما والاها من البلاد، وانتشروا فيها، فكانوا بالذنائب وواردات والاحص وشبيث وبطن الجريب والتغملين وما بينها وحولها من المنازل. وتيامنت قبائل من ربيعة إلى بلاد اليمن، فحالفت أهله. وبقوا على أنسابهم، منهم أكلب بن ربيعة بن نزار، نزلت ناحية تثليث من اليمن وما والاها، فجاورت خثعم وحالفوهم، وصاروا يدا واحدة معهم على من سواهم.
وقال رجل من خثعم ثم من شهر أن ينفي أكلب بن ربيعة:
ما أكلت منا ولا نحن منهم ... وما خثعم يوم الفخار وأكلب
قبيلة سوء من ربيعة أصلها وليس لها عم لدينا ولا أب فأجابه الاكلبي:
إني من القوم الذين نسبتني ... إليهم كريم الجد والعم والاب
فلو كنت ذا علم بهم ما نفينتني ... إليهم ترى أني بذلك أثلب
فإلا يكن عماي حلفا وناهيا ... فأني أمرؤ عماي بكر وتغلب
أبونا الذي لم تركب الخيل قبله ... ولم يدر مرء قبله كيف يركب.

(1/25)

وتيامنت عنز أيضا، فصارت حلفاء لخثعم، وعنز: هو عبد الله بن وائل بن قاسط، وإنما سمى عنزا لانه كان يشبه رأسه رأس العنز، وكان محدد الرأس. وظعنت بنو حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، يتبعون الكلأ والماء، وينتجعون مواقع القطر والغيث، على السمت الذي كانت عبد القيس يلكت. فخرج منهم عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول ابن حنيفة، منتجعا بأهله وماله، حتى هجم على اليمامة، فينزل بموضع يقال له قارات، وهي من حجر على ليلة، فأقام بها أياما، ومعه جار له من اليمن، من سعد العشيرة، ثم من بني زبيد. ثم إن راعيا لعبيد خرج حتى يأتي حجرا، فرأى القصور والنخل وأرضا عرف أن لها شأنا، فرجع حتى أتى عبيدا، فأخبره وقال: رأيت آطاما طوالا، وشجرا حسانا، وهذا حمله، وجاء بتمر نخيله وجده منتثرا تحت النخل، فأكل منه غبيد، فقال: هذا والله الطعام، وأصبح فأمر بجزور فنحرت، ثم قال لبنيه وغلمانه والزبيدي. أحترزوا حتى آتيكم، فركب فرسه، وأرتدف الغلام خلفه، وأخذ رمحه حتى يأتي حجرا، فلما رآها عرف أنها أرض لها شأن، فوضع رمحه في الأرض، ثم دفع الفرس، فأحتجر على ثلاثين دارا وثلاثين حديقة، فسميت حجيرته حجرا، فهي حجر اليمامة. وقال في ذلك شعرا.
حللنا بدار كان فيها أنيسها ... فبادروا وخلوا ذات شيد حصونها
فصاروا قطينا للفلاة بغربة ... رميما وصرنا في الديار قطينها
فسوف يليها بعدنا من يحلها ... ويسكن عوض سهلها وحزونها
قال: وكان لبكر بن وائل صنم يقال له عوض، ويقال: بل عوض الدهر، وقد جاء فيه شعر.
قال رجل من عنزة قديم، يخبر أن عوضا صنم لبكر كلها.
حلفت بمائرات حول عوض ... وأنصاب تركن لدى السعير
أجوب الدهر أرضا شطر عمرو ... ولا يلفي بساحتها بعيري.
ثم ركز عبيد رمحه في وسطها، ثم رجع إلى أهله فأحتملهم، ووضعهم بها. فلما رآه جاره الزبيدي قال: يا عبيد، الشرك. قال: لا، بل الرضا. قال: ما بعد الرضا إلا السخط. فقال: عليك بتلك القرية، على نصف فرسخ من حجر، فمكث الزبيدي أياما، ثم غرض، فأتى عبيدا وقال: عوضني شيئا، فغني خارج وتارك ما ها هنا، فأعطاه ثلاثين بكرا، ثم خرج ولحق بأهله، فتسامت بنو حنيفة ومن كان معهم من بكر بن وائل، بما أصاب عبيد بن ثعلبة فأقبلوا حتى نزلوا قرى اليمامة. قال: ويقبل زيد بن ثعلبة بن يربوع، حتى يأتي عبيد أخاه، فقال له أنزلني معك في حجر. قال: لا ينزلها معي " وقبض على ذكره " إلا من خرج من هذا، ولكن عليك بتلك القرية، التي خرج منها الزبيدي، فأنطلق فنزلها في الفساطيط والاخبيه، وعبيد وولده في القصور بحجر.
قال فجعل يمكث الايام، ثم يقول لبنيه: أنطلقوا بنا إلى باديتنا، فنتحدث إليهم، ثم يرجع. قال: فمن هناك سميت البادية زيد بن يربوع، ومعاوية بن يربوع. هؤلاء الذين يقال لهم البادية من بني حنيفه. قال: وجعل زيد يقتصل جثيث النخل، وهي أولادها، ثم يغرسها، فتخرج على مهلتها. قال: وصنع ذلك أهل البادية كلها. فأرض اليمامة حجر، وهي مصرها ووسطها، ومنزل الامراء فيها، وإليها تجلب الأشياء.
وأقامت سائر قبائل ربيعة، من بكر وتغلب وغفيلة وعنزة وضبيعة في بلادهم، من ظواهر نجد والحجاز وأطراف تهامة، حتى وقعت الحرب بينهم في قتل جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان كليب بن ربيعة، وانضمت النمر وغفيلة إلى تغلب، فصاروا معهم، ولحقت عنزة وضبيعة ببكر بن وائل، فلم تزل الحروب والوقائع تنقلهم من بلد إلى بلد، وتنفيهم من ارض إلى أرض، وتغلب في كل ذلك ظاهرة على بكر، حتى التقوا يوم قضة، وقضة: عقبة في عارض اليمامة، وعارض: جبل، وقضة من اليمامة على ثلاث ليال، وذلك يوم التحالق، فكانت الدبرة لبكر على بني تغلب فتفرقوا على ذلك اليوم وتلك الوقعة، وتبددوا في البلاد، أعني بني تغلب، وانتشرت بكر بن وائل وعنزة وضبيعة باليمامة، فيما بينها وبين البحرين، إلى أطراف سواد العراق ومناظرها، وناحية الابله، إلى هيت وما والاها من البلاد، وانحازت النمر وغفيلة إلى أطراف الجزيرة وعانات وما دونها، إلى بلاد بكر بن وائل وما خلفها من بلاد قضاعة، من مشارق الأرض، فقال الاخنس بن شهاب التغلبي، وكان رئيسا شاعرا، يذكر منازل القبائل:

(1/26)

لكل أناس من معد عمارة ... عروض إليها يلجئون وجانب
لكيز لها البحران والسيف كله ... وإن يغشيها بأس من الهند كارب
تطاير على أعجاز حوش كأنها ... جهام أراق ماءه فهو آئب
وبكر لها بر العراق وإن تشأ ... يحل دونها من اليمامة حاجب
وصارت تميم بين قف ورملة ... لها من جبال منتأى ومذاهب
وكلب لها خبت ورملة عالج ... إلى الحرة الرجلاء حيث تحارب
وبهراء حي قد علمنا مكانهم ... لهم شرك حول الرصافة لاحب
وغارت إياد بالسواد ودونها ... برازيق عجم تبتغي من تضارب
ونحن أناس لا حجاز بأرضنا ... مع الغيث ما نلقي ومن هو عازب.
تفرق مضر
قال فلم تزل مضر بن نزار بعد خروج ربيعة من تهامة مقيمة في منازلها، من تهامة وما والاها، حتى تباينت قبائلهم، وكثر عددهم وفصائلهم، وضاقت بلادهم عنهم، فطلبوا المتسع والمعاش، وتتبعوا الكلأ والماء، وتنافسوا في المحال والمنازل، وبغي بعضهم على بعض، فأقتتلوا، فظهرت خندف على قيس.
وقال آخرون: إن غزية بن معاوية بن بكر بن هوزان، كان نديما لربيعة ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فشربا يوما، فعدا ربيعة بن حنظلة على غزية بن جشم، فقتله، فسألت قيس خندف الدية، فأبت خندف، فأقتتلوا، فهزمت قيس فتفرقت، فقال فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة ابن خزيمة:
أقمنا على قيس عشية بارق ... ببيض حديثات الصقال بواتك
ضربناهم حتى تولوا وخليت ... منازل حيزت يوم ذاك لمالك.
قال: فظعنت قيس من تهامة طالعين إلى بلاد نجد، إلا قبائل منهم، فأنحازت إلى أطراف الغور من تهامة.
فنزلت هوزان بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس: ما بين غور تهامة إلى ما وراء بيشة وبر كا وناحية السراة والطائف وذا المجاز وحنين وأوطاس وما صاقبها من البلاد.
ثم تنافست أولاد مدركة وطابخة ابني الياس بن مضر في المنازل، وتضايقوا فيها، ووقعت بينهم حرب، فظهرت مدركة على طابخة، فظعنت طابخة من تهامة، وخرجوا إلى ظواهر نجد والحجاز.
وانحازت مزينة بن إياد بن طابخة إلى جبال رضوى وقدس وآراة وما صاقبها من أرض الحجاز.
وظهرت تميم بن مر بن أد بن طابخة، وضبة بن أد بن طابخة، وعكل بن أد، إلى بلاد نجد وصحاريها، فحلوا منازل بكر وتغلب، التي كانوا ينزلونها في الحرب التي كانت بينهم، ثم مضوا حتى خالطوا أطراف هججر، ونزلوا ما بين اليمامة وهجر. ونفذت بنو سعد بن زيد مناة بن تميم، إلى يبرين وتلك الرمال، حتى خالطوا بني عامر بن عبد القيس في بلادهم قطر، ووقعت طائفة منهم إلى عمان، وصارت قبائل منهم بين أطراف البحرين، إلى ما يلي البصرة، ونزلوا هنالك إلى منازل ومناهل كانت لاياد بن نزار، فرفضتها إياد، وساروا عنها إلى العراق.
وأقامت قبائل مدركة بن الياس بن مضر بتهامة وما والاها من البلاد وصاقبها، فصارت مدركة بناحية عرفات وعرنة وبطن نعمان ورجيل وكبكب والبوباة، وجيرانهم فيها طوائف من أعجاز هوازن.
وكانت لهذيل جبال من جبال السراة ولهم صدور أوديتها وشعابها الغربية، ومسايل تلك الشعاب والاودية على قبائل خزيمة بن مدركة في منازلها، وجيران هذيل في جبالهم فهم وعدوان ابنا عمرو بن قيس عيلان.
ونزلت خزيمة بن مدركة أسفل من هذيل بن مدركة، واستطالوا في تلك التهائم إلى أسياف البحر، فسالت عليهم الأودية، التي هذيل في صدورها وأعيالها، وشغاب جبال السراة التي هذيل سكانها، فصاروا فيما بين ...... وجبال السراة الغربية.
وأقام ولد النضر بن كنانة بن خزيمة حول مكة وما والاها، بها جماعتهم وعددهم، فكانوا جميعا ينتسبون إلى النضر بن كنانة.
قال: فجلس عامر بن لؤي وسامة بن لؤي يوما يشربان بمكة، فجرى بينهما كلام، ففقأ سامة عين عامر، وكان سامة ماضيا، فخرج من وجهه هاربا حتى أتى عمان، فتزوج بها ناجية بنت جرم، على ما تقدم ذكره.
ويقال: بل تزوج غيرها، فصار بنو سامة بعمان حيا حريدا شريدا، لهم باس وثروة ومنعة، وفيهم يقول المسيب بن علس الضبعي شعره:

(1/27)

وقد كان سامة في قومه ... له مأكل وله مشرب
فساموه خسفا فلم يرضه ... وفي الأرض من خسفهم مذهب.
وقد تقدم إنشادها.
قال: وأقام ولد فهر حول مكة، حتى أنزلهم قصي بن كلاب الحرم، وكانت مكة ليس بها أحد - قال هشام: قال الكلبي: كان الناس يحجون ثم يتفرقون، فتبقى مكة خالية، ليس بها أحد - فقريش البطاح من ولد فهر: من دخل مع أقصى الابطح، وقريش الظواهر من ولد فهر: تيم الادرم بن غالب بن فهر، ومعيص بن عامر بن لؤي، ومحارب والحارث ابنا فهر، فهؤلاء قريش الظواهر، وسائر قريش أبطيحون، إلا رهط أبي عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه، وهم بنو هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر، ورهط سهل وسهيل ابني البيضاء، وهم بنو هلال بن ضبة بن الحارث بن فهر، فإنهم دخلوا مع قصي الابطح، فهم أبطيحون.
فهذا ما كان من حديث أفتراق معد ومنازلهم التي نزلوها، ومحالهم التي حلوها في الجاهلية، حتى ظهر الاسلام.
وجاء الله عز وجل بالاسلام وقد نزل الحجاز من العرب أسد، وعبس، وغطفان، وفزارة، ومزينة، وفهم ، وعدوان، وهذيل وخثعم، وسلول وهلال، وكلاب بن ربيعة، وطئ - وأسد وطئ حليفان - وجهينة، نزلوا جبال الحجاز: الأشعر، والأجرد، وقدسا، وآراة، ورضوى، وأسهلوا إلى بطن إضم. ونزلت قبائل من بلى شغبا وبدا، بين تيماء والمدينة. ونزلت ثقيف وبجيلة حضرة الطائف، ودار خثعم من هؤلاء: تربة وبيشة وظهر تبالة، على محجة اليمن، من مكة إليها، وهم مخالطون لهلال بن عمرو، وبطن تبالة لبني مازن. ودار سلول في عمل المدينة. ومنازل أزد شنوءة السراة، وهي أودية لخثعم، على ما تقدم، وأحياء مذحج. وهذه الأودية تدفع في ارض بني عامر بن صعصعة، ومن بقي بأرض الحجاز من أعجاز جشم ونصر بن معاوية، ومن ولد خصفة بن قيس، فهم بالحرة، حرة بني سليم، وحرة بني هلال، وحضرة الربذة، إلى قرن تربة، وهم مخالطون لكلاب بن ربيعة. هؤلاء كلهم من ساكني الحجاز.
ونزل نجد من العرب بنو كعب بن ربيعة بن عامر، ودارهم الفلج وما أحاط به من البادية. ونزل نمير بن عامر، وباهله بن يعصر، وتميم كلها بأسرها باليمامة، وبها دارهم ، إلا أن حاضرتها لربيعة بن نزار وإخوتهم.) انتهى

التعديل الأخير تم بواسطة فرناس ; 01-24-2020 الساعة 07:05 AM
فرناس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:08 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. ,TranZ By Almuhajir