عرض مشاركة واحدة
قديم 02-09-2019, 11:36 PM   #1
فرناس
باحث
 
تاريخ التسجيل: May 2014
المشاركات: 1,016
افتراضي جــَــدلية الانتماء النسبي بين الفحص الجيني و الموروث التاريخي

بسم الله الرحمن الرحيم




منهجية الاسقاطات النسبية
لدَى النسابةِ الجُدُد





الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين .
و بعد فقد اطلعتُ على بعض المنتديات التي تُعنى باستخدام الحمض النووي في مراجعة الأنساب الموروثة ، و هالَني ما رأيتُ بها من مجازفات و إطلاقات و اسقاطات ليست من الصحة بمكان ، و ليس عليها قبسٌ من دليل أو برهان.

و رأيتُ القوم قد أصَّلوا على ذلك أصولاً و قعَّدوا قواعد، آلت الى أن تكون مسلَّماتٍ لدى البعض منهم ،مع كونها تفتقد للدليل الشرعي و المنطقي و التاريخي ، ممَّا يدلُّ على هشاشة المنهجية التي يتبناها كثيرٌ ممن يتعاطون هذا الفن الجديد .
و لا أعني هشاشة التحليل الجيني ذاته ، إذ هو ينبني على آلية علمية بحتة لا تتحيز الى نتيجة دون نتيجة ، إلاَّ أن أصابع الاسقاط الانتقائية تنقلها من مكان الى آخر و من مجموعة الى مجموعة لدواعٍ مختلفة و أهواءَ مُتَّبعة ، فالله المستعان .


و من تلك الأصول والقواعد لديهم :


الأصل الأول : ادِّعاؤهم أن كلا الجذمين العربيين الكبيرين عدنان و قحطان من ولَدِ اسماعيل بن ابراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام ــ بماهُو خلافُ المقرَّر عند أهل النسب ــ .
و يستدلون على ذلك بأدِلَّة محتَمَلة و غير صريحة الدلالة ، بل و لا رُجحان للمعنى المُستدَلِّ لَهُ في أحيان كثيرة ، ممَّا جعلَهم يحذفون القواعد النسبية و يضربون بها عُرض الحائط ، فالقحطاني اصبح عدنانيا ،والمُضري عاد ربَعيا بدعوى تصحيح الأنساب عن طريق العلم الجيني ، و أيُّ أنساب سلمت لديهم حتى يصححوها ، و هم قد حذفوا مقدماته و نهاياته ، و مبادئه و غاياته ، فعُدنا لا أنساب و لا أسباب ، و هذه الجُزئية قلَّ من انتبه اليها و حذَّر منها مع عِظَمِ أهمِّيتها..

الاحتجاج الأول :
احتجُّوا بقوله تعالى للمؤمنين المهاجرين والانصار (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ) ، فقالوا ان الله عز وجل ذكر في هذا الخطاب أن ابراهيم عليه السلام أبٌ للانصار و المهاجرين من فحطان و عدنان
و فاتهم أن المقصود هاهنا أبُوَّة النُّبُوَّة إذ كان في المسلمين آنذاك من ليس من العرب كسلمان الفارسي وبلال الحبشي رضي الله عنهم ، ولا ريب أن غير العرب من المسلمين داخل في هذا الخطاب بالاتفاق ..
ومن المعلوم أن كل نبي هو بمنزلة الأب لأمته وأتباعه كما قيل في قوله تعالى عن نبيه لوط عليه السلام : (قالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) هود / 78 . قال مجاهد : "لم تكن بناته ، ولكن كنَّ من أمّته ، وكل نبي أبُو أمَّته" . "تفسير الطبري" (15 /414) .
وقد قرئ : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أبٌ لهم) .
قال ابن كثير : " روي عن أُبي بن كعب وابن عباس أنهما قرآ : (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) ، وروي نحو هذا عن معاوية ومجاهد وعِكْرِمة والحسن " انتهى .
"تفسير ابن كثير" (6/381) ، وراجع : "الجامع لأحكام القرآن" (9/76) ، "فتح القدير" (2/745).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
"وفي قراءة أُبيّ : (وهو أبٌ لهم) والقراءة المشهورة تدلُّ على ذلك ؛ فإن نساءه إنما كن أمهات المؤمنين تبعا له ، فلولا أنه كالأب لم يكن نساؤه كالأمهات
"منهاج السنة النبوية" (5/161)
.
وقد أمرنا الله تعالى باتباع ملته عليه السلام فقال تعالى : (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) النحل/123 ، فقال تعالى : (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) الحج/78 ، فيكون إبراهيم عليه السلام كالأب لجميع المؤمنين ، عرباً كانوا أم غير عرب


الاحتجاج الثاني :

بمارواه البخاري في كتاب المناقب(( باب نسبة اليمن إلى إسماعيل" فقال :
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ـ رضى الله عنه ـ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَسْلَمَ، يَتَنَاضَلُونَ بِالسُّوقِ، فَقَالَ ‏"‏ ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلاَنٍ ‏"‏‏.‏ لأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، فَأَمْسَكُوا بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ ‏"‏ مَا لَهُمْ ‏"‏‏.‏ قَالُوا وَكَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَ بَنِي فُلاَنٍ‏.‏ قَالَ ‏"‏ ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ
‏"‏‏.‏
قلت هذه حادثة عينٍ في بني أسلمَ من خزاعة ،و خزاعة اختُلِف في نسبها فقيل أنها من بني مزيقياء بن عامر، من الأزد، وقيل أنها من بني قمعة بن خندف، من مضر..
إذ اختلف النسابون قي نسب أسلمَ على قولين :
الاول : أسلم بن أفصى بن عامر بن لحي بن قمعة بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان
الثاني : أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن النبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان

و لو صح أن خزاعة قحطانية فالحديث عن بني أسلم خاصَّة ، فمن أين استقينا التعميم على كون قحطان بأكملها اسماعيلية ..
وقد بوَّب الامام البخاري رحمه الله على هذا الحديث ((باب نسبة اليمن إلى إسماعيل منهم أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة )

فعلّق ابن حجر رحمه الله عليه قائلاً :
(فِي هَذَا الِاسْتِدْلَال نَظَر لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن بَنِي أَسْلَمَ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيل أَنْ يَكُون جَمِيع مَنْ يُنْسَب إِلَى قَحْطَان مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيل لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون وَقَعَ فِي أَسْلَمَ مَا وَقَعَ فِي إِخْوَتهمْ خُزَاعَة مِنْ الْخِلَاف هَلْ هُمْ مِنْ بَنِي قَحْطَان أَوْ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيل ، وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ مِنْ طَرِيق الْقَعْقَاع بْن أَبِي حَدْرَد فِي حَدِيث الْبَاب " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِنَاس مِنْ أَسْلَمَ وَخُزَاعَة وَهُمْ يَتَنَاضَلُونَ فَقَالَ : اِرْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيل " فَعَلَى هَذَا فَلَعَلَّ مَنْ كَانَ هُنَاكَ مِن خُزَاعَة كَانُوا أَكْثَر فَقَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّغْلِيب)

عدا ان هناك جوابٌ آخر أجاب به النسابة الهمداني ، فقال:
‏‏ ‏"‏ يا بني إسماعيل ‏"‏ لا يدل على أنهم من ولد إسماعيل من جهة الآباء، بل يحتمل أن يكون ذلك لكونهم من بني إسماعيل من جهة الأمهات، لأن القحطانية والعدنانية قد اختلطوا بالصهارة ، فالقحطانية من بني إسماعيل من جهة الأمهات."
نعم الحديت يستدَلُ به في كون اسلم أو خزاعة من ولد اسماعيل (لان اسلم وخزاعه اخوان او ان اسلم من ولد خزاعه ) وبه قال ابن حزم ومن المتأخرين العلامة المعلِّمي

الاحتجاج الثالث :
و احتجوا أيضاً بما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات، ثنتين في ذات الله. قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وواحدة في شأن سارة، فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلماً غيري وغيرك، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار. أتاه، فقال له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها، فأتي بها، فقام إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي، ولا أضرك، ففعلت، فعاد، فقبضت أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك، ففعلت، فعاد، فقبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقال: ادعي الله أن يطلق يدي، فلك الله أن لا أضرك، ففعلت، وأطلقت يده ودعا الذي جاء بها، فقال له: إنك إنما أتيتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي، وأعطها هاجر. قال: فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم عليه السلام انصرف، فقال لها: مهيم؟ قالت: خيراً. كف الله يد الفاجر، وأخدم خادماً. قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء". وهذا لفظ مسلم.
فاحتجوا بقول أبي هريرة في آخر الحديث " فتلك أمكم يا بني ماء السماء " مخاطبا الأنصار
و هذا أوهى مما سبق ومما لايحتج به على إسقاط مسألة مستفيضة ومتواترة ومعلومة بالضرورة
إذ لا يخفى أن الأمُّ ليست عمود نسب فقد يكون الرجل عدنانيا و جدته قحطانية و العكس ..
قال النووي رحمه الله :
( قال أبو هريرة : فتلك أمكم يا بني ماء السماء ) ......وقال القاضي : الأظهر عندي أن المراد بذلك الأنصار خاصة ، ونسبتهم إلى جدهم عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأدد وكان يعرف بماء السماء ، وهو المشهور بذلك ، والأنصار كلهم من ولد حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر المذكور . والله أعلم ) انتهى من شرح النووي على مسلم / ابو زكريا يحيي بن شرف النووي
فبانَ بذلك أنَّه لا دليل من الكتابِ المنزَّل أو السنة الشريفة على ما ادَّعوه من كون قحطان من ولد اسماعيل عليه السلام

حديث بني العنبر و دلالته على اختصاص العدنانية بكونهم من ولد اسماعيل :

بل إن حديث بني العنبر يدلُّ على اختصاص العدنانية بكونهم من ولد اسماعيل ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( قال ما زلت أحب بني تميم منذ ثلاث سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيهم سمعته يقول هم أشد أمتي على الدجال قال وجاءت صدقاتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه صدقات قومنا وكانت سبيَّةٌ منهم عند عائشة فقال أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل) رواه البخاري
و جاء في مسند أحمد عن عائشة "أنه كان عليها رقبة من ولد إسماعيل فجاء سبي من اليمن من خولان، فأرادت أن تعتق منهم فنهاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم جاء سبي من مضر من بني العنبر ، فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تعتق منهم
. "
وَعندَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا "وَجِيءَ بِسَبْيِ بَنِي الْعَنْبَرِ "
فإنما يدل تخصيص بني العنبر بالاسماعيلية على كون كثيرٍ العرب ليسوا من بني اسماعيل ، و هذا ظاهر
و يوضِّح ذلك ابن حجر بقوله:
( وقد وقع عند الإسماعيلي من طريق أبي معمر عن جرير وكانت على عائشة نَسمة من بني إسماعيل فقدم سبي خولان فقالت عائشة يا رسول الله أبتاع منهم ؟ قال : لا . فلما قدم سبي بني العنبر قال : ابتاعي فإنهم ولد إسماعيل ، و وقع عند أبي عوانة من طريق الشعبي عن أبي هريرة أيضا " وجيء بسبي بني العنبر ) ا هـ ، قلت و خولان قحطانية بإجماع هل النسب ..




التعديل الأخير تم بواسطة فرناس ; 02-09-2019 الساعة 11:50 PM
فرناس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس